مايا كيروز. لا يمرّ الزمن على الجراح. نتناسى ولا ننسى. هي الجراح لا تجعلنا ننسى. 9 حزيران 2009. حرفا حرفا، رقما رقما، محفور في جسد مايا. هو دليل لا يقبل النقض عن وحشيتين. وحشية الانسان حين ينقضّ على اخر لخلاف سياسي وعقائدي، ووحشية الاهمال او الادّعاء بجهل الفاعل، والفاعل يتنقل ويتسلّح ويغمر الارض بالتهديد، والكل يعرفه ويدل اليه بالاصابع!
تتناسى مايا اليوم الذي أطلق عليها الناس تلك الصفة البشعة "الشهيدة الحية"! هي ليست شهيدة. ما زالت بيننا تنبض بالحياة.
تتكىء مايا الى العصا حينا، والى الكرسي النقال أحيانا. هي متنقلة بين مستشفى وآخر. تتسلى، تسوح في عالم المباضع، وأحدث الالات التي تحفر في أعماق الانسان، وتحوله الى ورشة، وتحيك في جسمه قطبا مخفية واخرى ظاهرة. تتنقل بأخبارها عبر الفايسبوك. تقوم بثوراتها الخاصة. تحرر تتظاهر تثور تنده على الثورة. تقلب الدنيا، تقلبها رأسا على عقب وتقعدها. تخطّ أبياتا من الشعر للرحابنة عن لبنان، وتضع فيديو لفيروز. وطني. تحب هذه الاغنية، وتحب موال "تبقى بلدنا" مع وديع الصافي. ما يطلبه المستمعون على صفحة الفايسبوك، وما تلهف اليها نفسها الحائرة، الجائعة للعدالة وللتحرر من الالات. تريد أن تعود فراشة كما كانت. تتابع اخبار ومقالات موقعنا الالكتروني، ومواقع اخرى زميلة. تختار ما تحبّ من مقالات وتنشرها على صفحتها، وتكتب بجمل قصيرة تعليقاتها الساخرة، وتنهال عليها التعليقات. لديها معجبين ومعجبات يتابعون صفحتها بنهم. يكتبون تعاطفهم معها. يعبّرون عن حبهم واعجابهم بها وبـ"صمودها"! تجيب عليهم قلما قلما، وقلبا قلبا، ولو كان قلبها ما زال كسيرا. تغيّر صورتها من حين لاخر. أحيانا بالشعر المستعار الطويل، واخرى بالشعر المستعار القصير. هذه صبية تستعير الاستمرارية. هذه صبية تستمد القوة والامل من المستحيل. مذ سلبوها نصف جسدها، عقابا لها لانها اعلنت انتماءها لـ"القوات اللبنانية"، وهي تستعير اللحظات النادرة، لتقتنع انها موجودة بشكل طبيعي في الحياة.
كلنا نشبه مايا. اصبنا باعاقة معنوية، حتى لو لم نكن جميعا مصابين باعاقة جسدية. لا حكومة. لا مجلس نواب. لا حركة ولا بركة. علّقنا الزمن على زمن الجيران. ثوار سوريا بالدم والعذاب والتنكيل، يحفرون تواريخ الحرية بأجسادهم وأجساد أطفالهم. كما نحن فعلنا. كما حفروا في جسد مايا. نتكىء على عصا الصبر.
حدود لبنان داشرة. الجنوب على بركان الحذر. "حزب الله" يشجع من حرّكهم النظام السوري في الجولان، ليبدأوا مشوار الحرية. لماذا لا يذهب ويمدّ اليهم يد العون بدل أن يرفعها في وجهنا؟!
حرب من نوع اخر في كواليس الجسد السياسي المهترىء. نبيه بري أخذ على خاطره، لانه لم يلق آذانا صاغية حتى من بعض حلفائه، ليقضي على آخر معاقل الحياة السياسية البرلمانية العريقة، من خلال عقد جلسة تشريعية غير دستورية، فاعتكف في المصيلح، وترك قصر عين التينة ترعاه عيون المحبين…
ميشال عون يشن واحدة من حروب داحس والغبراء على رئيس البلاد. اخر الابداعات، لا "يريد" أن يختار الرئيس شخصية كسروانية للحكومة! وكأن رئاسة الجمهورية مختبرا لممارسة مزاج رجال السياسة، ومن يقولون انهم زعماء!
جسد البلاد المقبل على صيف وسياح، لم يلبس بعد حلّة الاصطياف. لم يتيحوا له بعد الفرصة، ليتزيّن ويتبرّج ويحضّر الضيافات اللبنانية. لا كأس العرق الذي اشتقنا اليه، وُضع على الطاولة، ولا الورق عريش ولا الكبّة النية ولا حتى التبولة. نار، الاسعار نار والغلاء يكوي الجسد النابض أساسا بالحياة، لكن وكأنه يُغمس بالمياه ليختنق، وينطفىء جسد الحياة في لبنان.
تقرأ مايا هذا المقال. تضعه على صفحتها عبر الفايسبوك. تهز برأسها. تختار أحلى الاغنيات. "منبقى هون ما منترك جبلنا…" تتكىء الى العصا وتعرف ان الجسد الجريح سيشفى، وجراح الروح أيضا تشفى…فقط عندما تعرف ان من جُرحت لاجله وكادت أن تكون شهيدته، عاد يضجّ بالصحة والحياة كما كان وسيبقى دائما…