كنّا نظنّ أن قِوى الممانعة سادَت وانتصرت، وأنّ قِوى الشَر خابَت واندحرت، فرُحنا نُهنّىء الغالبين في الضواحي والمنتصرين في الروابي، وفي بالنا أن أميركا لن تقف على قدميها قبل مئات السنين، وأن باراك اوباما لن يخرج الى حديقة البيت الابيض ليروي نبتة ً أو يلاعب كلب العائلة.
كنّا نظن أن الشرق الاوسط الكبير تهاوى على مَن بَناه وسقاه ورعاه، وأن الممانعة أنجبَت للناس إلها جديدا ورسمت للنجوم مسارا جديدا، فرحنا نهنّىء الغالبين هنا والمنتصرين هناك، وفي بالنا أن أميركا لن تعود الى لبنان، ولن تضرب على رأس سوريا وأطراف ايران، وأن باراك اوباما لن يُنهي ولايته رئيسا لَهُ في الانتصارات باع ٌطويل وفي الحكم عمرٌ طويل.
كنّا نظن أن الشرق الاوسط الاسلامي ورثَ حسني مبارك في القاهرة وزين العابدين في تونس، وقد يَرث ما يزرعه الغرب في ليبيا وما ينسجه "الشباب" في اليمن، فرحنا نهنّىء الغالبين هنا والمنتصرين هناك، وفي بالنا أن أميركا لن تخرج من كَبوَتها قبل مئات السنين، وأن باراك اوباما لن يُلقّم سلاحه لا في حربٍ ولا في صيدٍ ولا في ابتهاج.
كنّا نظن مِن فرط ما تغاوى بعضهم في لبنان، وتمايلَ بعضٌ آخر في دمشق وطهران، أن الدنيا تغيرت والهواء تغيّر، وأن المقاومة الاسلامية تحوّلت دويلة عظمى، وأن سوريا تحوّلت دولة عظمى، وأن ايران تحولت ثورة عظمى، وأن اميركا باتت من أهل الكهوف نوما وخنوعا، وأن باراك اوباما عاد الى جذور أبيه عِرْقا ولونا وهوية.
نحن أيضا نريد أن نصدّق أن أميركا سقطت في بغداد، وأنها ستسقط في كابول لا محال، وأن حلفاءها سقطوا في مصر وتونس، وسيسقطون في اليمن والسعودية والبحرين والمغرب والاردن وسلطنة عمان، لكننا نريد أيضا أن نعرف مَن يحاصر بشار الاسد كي نصدّق أن سوريا فوق الانقلابات، ومَن يخنق أحمدي نجاد كي نصدّق أن ايران فوق التحولات.
ونريد أن نعرف مَن يطارد أهل الممانعة والمقاومة في كل مكان، فيقتل هذا ويأسر ذاك. ومَن يَدكّ معاقل هنا وينسف أنفاقا هناك، ومَن يدير دولة هنا ويسيّر ثورة هناك، ومَن يضبط أنفاس هذا ويلجم سلاح ذاك. ونريد أن نعرف مَن يعقد محكمة هنا ويوصد محكمة هناك، ومَن يروّج قرارا هنا وينقض قرارا هناك. عسانا حين نعرف، نصدق أنّ المقاومة في لبنان قوة لا تنكسر، وأنّ دمشق كيان لا يَهوي، وأنّ طهران ثورة لا تخمد، وأن المحكمة الدولية لن تنعقد، وأن أحكامها لن تصدر، وأن الشهود لن يشهدوا، وأن القاتل لن يُعرف، وأن الحقيقة لن تنجلي.
نريد فقط ان نصدّق، مثلكم، أن أميركا اندحرت، وأن مَن أسقط حكومة في لبنان ليس نادما ولا متحسّرا ولا خائفا ولا متحسّبا، فيُسمّي من يشاء ويقرر ما يشاء، ويضع حجرا على قبر أميركا وشمعا أحمر على بوّابة البيت الأبيض.
نعم، نريد ان نصدّق مثلكم، فإذا كنتم من أهل الغلبة فأين الحكومة؟ وإذا كانت اميركا من أهل الهزيمة فماذا تفعل في لبنان؟