رسم البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ملامح مرحلة جديدة في دور بكركي الوطني والراعي، تكرّست منذ خطابه الأوّل يوم تولّيه السدّة البطريركية، والذي جاء متقدّما في مضمونه وفي الرسائل التي أطلقها في أكثر من اتّجاه، أظهرت انفتاحا غير مسبوق، تُرجِم من خلال الحشود التي ضاقت بها بكركي في الأسابيع الأولى التي تلت انتخابه، والتي شملت كلّ أطياف "الفسيفساء" اللبنانية.
وفي هذا السياق، اعتبر مصدر كنسي مراقب أنّ البطريرك يعمل على جبهتين متوازيتين ومن دون أيّ توقف أو كلل، حتى بدا وكأنّه في سباق مع الوقت، قبل هبوب العاصفة التي تضرب بعض الدول المحيطة.
فعلى الصعيد الراعوي، رأى المصدر أنّ هناك نفسا جديدا وروحا جديدة ملؤها الحيويّة والروحانيّة (روح الشباب)، وكان البطريرك الراعي يقتبس دور قداسة البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني بابا الشباب. معتبرا أنّه كان من اللافت فتح أبواب الصرح البطريركي للقاء "يسوع فرحي"، وهو لقاء يعقد للمرّة الأولى في الصرح البطريركي بعد 14 سنة من تأسيسه، وكان لافتا في هذا الإطار حضور البطريرك الراعي وحواره مع الشبيبة بدون أيّ تكلّف كراع يعرف قطيعه، وقطيعه يعرفه. ولفت المصدر إلى الحيويّة التي يتمتّع بها البطريرك من خلال لقاءاته اليوميّة، وتنقلاته من أبرشية إلى أخرى، ومن احتفال إلى آخر، ممّا وضع الكنيسة المارونيّة في حالة تأهّب كامل على الصعيد الراعوي، مشيرا إلى استحقاقات كنسيّة ترخي بظلالها على اندفاع البطريرك، وفي مقدّمها انتخاب النوّاب العامّين، أي بالمعنى التقني "عدة الشغل". وانتخاب عدد من الأساقفة أيضا على بعض الأبرشيات يفترض انتخاب 8 مطارنة و4 نوّاب عامّين و4 مطارنة أبرشيّات). أمّا الاستحقاق الثاني فهو علاقة الرهبانيّات المارونية بالصرح البطريركي، سيّما وأنّ هذه الرهبانيّات تخضع بشكل مباشر للكرسي الرسولي في الفاتيكان، خصوصا وأنّ البطريرك تربّى وترعرع ضمن الرهبنة المريميّة المارونية، ما يجب أن يؤدّي إلى تفاهم أكبر بين الرهبانيّات وبكركي.
أمّا على الصعيد السياسي، تابع المصدر الكنسي المراقب، فإنه على رغم نجاح البطريرك بجمع الزعماء الموارنة أوّلا، ومن ثمّ النوّاب والوزراء ورؤساء الأحزاب، فإنّ عوامل عدّة تضافرت وتدخّلت بشكل غير مباشر أدّت إلى دفع القوى المسيحيّة في الأكثرية الجديدة إلى التعاطي بإيجابيّة مطلقة مع دعوة البطريرك الراعي، ومن أبرز هذه العوامل الوضع المتفجّر في سوريا، وما يتعرّض له المسيحيّون في الشرق من ممارسات وعمليّات تهجير ممنهجة، بدءا من العراق وصولا إلى مصر، وبالتالي، فإنّ هذا المناخ ساهم في إيجاد معادلة مسيحيّة مختلفة عن السابق، كونها محفوفة بالمخاطر والتحدّيات ذات الطابع الوجودي للمسيحيّين، وليست مقتصرة فقط على العناوين السياسيّة الداخليّة التي كانت تفرّق دائما فيما بين الزعماء الموارنة، وحالت دون تمكّن البطريرك الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير من جمعهم، ذلك أنّ صفير كان يطرح، وقبل أيّ لقاء، عناوين – ثوابت يجب التوافق عليها مسبقا، وكانت في كلّ مرّة تصطدم برفض القوى المسيحيّة المنضوية في لواء الثامن من آذار، وكانت دعوات البطريرك صفير تقابل بحملات سياسيّة وإعلامية قاسية.
وفي سياق متصل، تابع المصدر نفسه أنّ اللجنة النيابية التي تشكّلت بعد لقاء بكركي الثاني هي أبعد ما تكون عن الفاعليّة، إذ إنّ هامش التحرّك أمامها، لا سيّما على الصعيد المسيحيّ محدود، كونها تشكّلت من نوّاب لا يحظون برصيد مسيحيّ واسع، وكان الأجدى أن تضمّ نوّابا من كسروان والمتن الشمالي وبشرّي وزغرتا، ممّا حوّل عملها راعويّا أكثر ممّا هو سياسي، لأنها ركّزت على الإجحاف اللاحق بحق المسيحيّين في الإدارات الرسميّة، وعلى تضاؤل حجم تمثيلهم، على الرغم من أنّ النائب الوحيد المتحرّر من أيّ تأثيرات انتخابيّة هو النائب القوّاتي الذي يتمتّع بهامش واسع من الحرّية، والقادر على العمل من دون أيّ خشية على علاقاته الشعبيّة أو رصيده الانتخابي.
وخلص المصدر إلى أنّ البطريرك الراعي تمكّن من جمع الزعماء الموارنة في لقاء راعوي أكثر منه سياسي، ويعود ذلك إلى تكوين شخصيّته الراعوية، عِلما أنّه في الأمور الراعوية تغيب الالتزامات والثوابت السياسيّة، ويتفق الجميع على العناوين الدينية والاجتماعية، وبالتالي، فإنّ اللقاء والحوار المفتوح في بكركي لم يحقق أكثر من خطوة على طريق كسر الجليد في العلاقة بين الزعماء المسيحيّين، ولم يحقق أيّ خطوة نوعيّة على صعيد تحقيق تقارب سياسي بين الشخصيّات المنتمية إلى جبهات سياسيّة عدّة.