المواقف الدولية من سوريا في سباق مع المتغيرات
رفع حرارة الضغط دون إقفال الباب
تحدث وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه في واشنطن بعد لقائه نظيرته الاميركية هيلاري كلينتون ومسؤولين اميركيين عن دفع قرار بادانة سوريا في مجلس الامن قدماً في ما بدا انه سباق مع تصعيد في سوريا كان مرتقبا على خلفية احداث جسر الشغور ونزوح عائلات سورية الى تركيا خوفا مما بدا تحضيرا لعملية عسكرية كبيرة ضد المعارضين السوريين. فالموقف الاوروبي المعلن ربط احتمال استعمال روسيا حق الفيتو بان المسألة ستقع على ضميرها في اشارة ضمنية الى ان عدم المساهمة في ضبط المواجهة يمكن ان تؤدي الى عدد كبير من الضحايا. واعلن جوبيه موقفا متطورا متقدما على الموقف الاميركي اذ قال "ان الرئيس بشار الاسد فقد شرعيته للاستمرار في الحكم"، فيما حاذرت واشنطن حتى الآن الجهر علنا وصراحة بهذا الموقف الذي اقتصر الاسبوع الماضي على قول كلينتون ان شرعية الاسد قاربت النفاد قبل ان تبدي قلقها على قطع اتصالات الانترنت في سوريا يوم "جمعة اطفال الحرية".
وتقول مصادر عليمة ان فرنسا لا تتفرد في هذا الموقف بمعنى انها يمكن ان تتعرض لانتقاد لاحق من الولايات المتحدة مماثل لذلك الذي تعرضت له ادارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي لدى كسرها عزلة الرئيس السوري بعد 2005 عبر الخطوط الواسعة التي فتحها امام الرئيس السوري واستقباله اياه لاحقا في العاصمة الفرنسية. اذ ان ما اعلنه جوبيه كان واضحا في اختصاره موقفا متفقا عليه ومنسقا بين فرنسا والولايات المتحدة، فضلا عن ان بريطانيا تواكب الموقف الفرنسي عن كثب في الوقت الذي تبدو فيه فرنسا متحركة بقوة ومبادرة في اكثر من ملف من ليبيا الى المفاوضات الفلسطينية – الاسرائيلية الى سوريا فضلا عن اضطلاعها بدور في الدعم المالي لمصر وتونس قبل انعقاد مجموعة الثماني في دوفيل قبل اسبوعين. ولعل الموقف الفرنسي هو الاكثر تأثيرا على سوريا نظرا الى الاجراءات الاوروبية الاضافية التي يمكن ان تعتمدها وتؤثر بصورة اكبر عليها من اي اجراءات عقابية اميركية تبعا لحجم التبادل التجاري بينها وبين اوروبا.
لكن هناك مؤشرا مهما توقفت عنده المصادر المعنية. اذ ان وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك بادر قبل ايام الى القول ان الرئيس السوري فقد شرعيته، فلم يقابل هذا الموقف بأي رد فعل من اي كان، لا في سوريا في اطار الرد على موقف اسرائيلي يعتبر تدخلا في الشؤون السورية لان شرعية اي رئيس او زعيم عربي لا تعتمد على اسرائيل تحديدا، وخصوصا ان وزيري الاعلام والداخلية السوريين انبريا الى التعليق على احداث جسر الشغور والتمهيد لخطوات عسكرية لاحقة فيما اصدرت الخارجية السورية تنديدا بقتل اسرائيل فلسطينيين في الجولان في "يوم النكسة"؛ ولا حتى من لبنان من جانب سياسيين موالين او قريبين من النظام السوري، فيما لا يتوقع اي رد فعل خارج هذا الاطار او من دول عربية التزمت الصمت المطبق ازاء ما يجري في سوريا وتركت للغرب ادارة الموقف من دون موافقتها العلنية على الاقل، باعتبار انها لو لم تكن موافقة لكانت اعلنت ذلك ايضا.
وكان يمكن ان يسري الاعتراض ولو الكلامي فقط، بالنسبة الى هذه المصادر، في شأن احالة الموضوع النووي السوري امام اللجنة الدولية للطاقة الذرية بالتزامن مع الضغوط في اتجاه اصدار قرار عن مجلس الامن يدين سوريا. اذ ان توقيت الاحالة امر يمكن ان يسجل في اطار السعي الغربي الى ممارسة مزيد من الضغوط على النظام السوري، الا ان هذا التوقيت ايضا يفقد المجتمع الدولي صدقيته وجديته من حيث صوابية ما يملك في الملف النووي السوري الذي كان يجب ان يظهر في وقت سابق وليس كما لو ان المجتمع الدولي لا يملك وسائل كافية لاستصدار قرار ادانة في حق النظام السوري ويلجأ الى سبل اخرى.
وتقول المصادر المعنية ان القرار الذي يعمل عليه في مجلس الامن يمثل ضغطا معنويا على النظام السوري، الذي واجه طويلا في كل الاتجاهات، كل القرارات التي حاولت ان تدرج سوريا في ما يتعلق بلبنان في الاعوام الاخيرة، وان سوريا كانت حساسة بقوة ازاء اي ذكر لها في اي موقف دولي يمكن ان يضعها على طاولة مجلس الامن. لذلك لا يزال البعض يأمل ان يشكل القرار الدولي ضغطا قويا مقنعا على وقع مواقف افرقاء لا يزالون يفتحون الباب جزئيا امام صفقة متكاملة من التغييرات يقدمها النظام السوري دفعة واحدة وبسرع، على غرار ما فعل رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الذي طالب الاسد مرة جديدة باجراء اصلاحات سريعة، او كما فعل وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ الذي امسك بالعصا من وسطها في هذا الموضوع. فالقرار اذ يدين قمع النظام السوري للمعارضين ورد الفعل الامني على تطلعات الشعب السوري يطالب في الوقت نفسه السلطات السورية باحترام حقوق الانسان واطلاق المعتقلين السياسيين واتخاذ الخطوات اللازمة من اجل ملاقاة تطلعات السوريين الى جانب مطالب اخرى مما يجعل النظام السوري مسؤولا من موقعه الذي لا يزال مجلس الامن يقر بشرعيته عبر هذا القرار ولو انه يدينه.