يريد التحرك الأخير لقوى الممانعة أن يُقنع الناس أنّه بخير، وأنّ سعيه الدؤوب إلى تشكيل الحكومة المقاوِمة اقترب من الوصول إلى خواتيمه، وأنّ كل العقبات الكأداء التي جنزرت ذلك السعي في الأشهر الماضية قد أُزيلت أخيراً، بعد أن جلس الرئيس المكلّف مع جنرال التكليف وذابت جبال الجليد بينهما نتيجة ودّ لم يكن أحد يعرف مقدار حرارته الكاسحة!
ويريد أهل ذلك التحرّك بعد ذلك، الاستمرار في ممارسة هواية كانت حتى الأمس القريب حكراً على الحزب المسلّح، هي تغطية الدعسة الناقصة بقفزة أكثر نقصاناً، أو تغطية الفشل بفشل أكبر… ثم بعد ذلك الخروج على الملأ وإعلان إنتصار عزَّ نظيره.
ورطة مكتملة الشروط، وضع أهل الانقلاب أنفسهم ولبنان فيها. وما عرفوا كيف يخرجون منها، ولا كيف يخفّفون من وطأتها، ولا كيف يفكّكون عُقدها.. عاندهم زمن ما كان في حسبانهم. وعاندتهم مستجدّات ما قَبِلُوا أن يقرأوها سلفاً. وعاندتهم وقائع ظنّوا أنّهم أكبر منها. وتعاندهم إلى اليوم تطوّرات في الداخل والخارج تزيد على ما سلف، وتأخذنا جميعاً إلى أماكن سياسية تكتيكية واستراتيجية غير مسبوقة.
أداء عتيق على وضع حديث. وأداء بدائي على واقع حداثي.. متطوّر، جديد، لمّاع، مُشعّ، ليزري، نووي لا يُقاوَم! لا تركب السيبة مهما نتّع الباني. ولا يركب بنيان على رمل الافتراضات والحسابات الخاصة بدلاً من الباطون المسلّح الخاص بالوقائع العامة.
… ثم بعد هذا بقليل، فإنّ الأمر من أوّله وأساسه لا يؤكد إلا المؤكد: البداية الخاطئة لا تنتج إلا نهاية خاطئة. وعلم الحساب مقفل، ولا اجتهاد فيه حتى قيام الساعة. واحد زائد واحد يساوي اثنين. لا يمكن الاستطراد أو الاجتهاد في هذا العلم. ولا يمكن لآليات البلف أو التزوير أو تعلية الصوت والأصبع، أو الدربكة التعبوية الدائمة ديمومة ساعات الليل والنهار، أو البناء الاسبارطي المدجّج بكل مكوّناته التسليحية والصاروخية، أو المال المدرار مهما بلغ حجم طوفانه.. لا شيء يمكن أن يركّب جملة من نوع: "انقلاب في لبنان"! هذا أمر معاكس لكل البديهيات والمسلّمات والبدايات والنهايات. ولا يحتاج الموضوع إلى كثرة تفلسف، ولا إلى إبحار في الفذلكة، ولا إلى إيهام النفس وتكبير الوهم. هذا ألف باء الحياة في لبنان. ولا يرفض الأخذ بهذا الدرس وحفظه إلا مَنْ قرّر الانتحار واعياً أو غاشياً أو مكابراً.
لم يقتنع الأخوة الممانعون بعد، ان الفارق بين الحائط والرأس، شعرة حكمة متواضعة وبسيطة، وأنّ الأجلاّء الأكارم والأكابر هم مَنْ بقوا على الأرض وفيها، ومَنْ تواضعوا وأقرّوا بأنهم بشر ويخطئون، ويغامرون ويفكّرون ويسعون، لكنهم في نهاية النهار والمطاف والقصيدة يُبقون أقدامهم مسمّرة حيث يجب، لا يركب لها جوانح ولا ينفع "عباس بن فرناس" إلا للعبرة لمَنْ اعتبر!
… يريدون إقناعنا، بأنّ ما فعلوه في ليل ما كان مصيبة سوداء علينا وعليهم، وأنّ ما ارتكبوه في حق لبنان وأهله وبنيته السياسية والدينية والمذهبية ما كان بلاءً موصوفاً أُريد له أن يغطّي على بلاء فظيع أصابنا مقتلاً في ذلك اليوم من ذلك الشباط من ذلك العام 2005؟!
من كارثة إلى أخرى، ومن فشل إلى آخر. والتوصيف عندهم إنجاز ينطح إنجازاً، وانتصار يبزّ انتصاراً. انكسر الجليد، انكسر البلد، والآتي أسوأ وأمرّ… يا الله!