انه الربيع الاول منذ استشهاد سمير قصير في ربيع 2005، وقد صارت احلامه افعالاً في بلاد الشقاء العربي. ربما يخيّل للمرء اليوم ان خيطاً رفيعاً يفصل بين الربيع والجحيم. فبدلاً من الورود الحمر التي يمنحها الربيع كل طاقاته، تجري دماء قانية تخضب ثورات سوريا واليمن وليبيا. لكن سمير قصير كان يعلم علم اليقين، قبل ان يطبق القاتل على ربيعه في 2 حزيران 2005 في الاشرفية، ان هذا القاتل لن يدع ربيع لبنان يزهر، بل يجب ان ينزف حتى الموت. فكان استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 البداية، وكانت "النهار" على موعد مفجع في كانون الأول من العام نفسه مع زلزال اغتيال جبران تويني. لكن قاتل الاحرار في لبنان منذ خريف 2004 عندما فشلت محاولة اغتيال مروان حماده ذهب الى عالم عربي واسع يمعن قتلاً منذ اشهر. فتأكد عندئذ ان الشتاء العربي في نهايته.
وثيقتان تسعفان على رسم مواصفات القاتل الذي لم يرحم اهله بسوريا، فكيف يرأف بجاره لبنان! الاولى مذكرة رسمية صادرة عن السفارة الاميركية في دمشق في 19 كانون الأول 2005 حول اغتيال تويني في الثاني عشر من الشهر نفسه نشرتها "الجمهورية" الاربعاء الماضي، تقول ان اغتيال تويني يشير الى ان النظام السوري مؤمن بأنه "يملك حلفاء قادرين على الدفاع عنه في وجه عقوبات الامم المتحدة خوفاً من انهيار النظام السوري الذي قد يؤدي الى حال من عدم الاستقرار في المنطقة". اما الوثيقة الثانية فهي شهادة مراسل "رويترز" خالد عويس، والتي نشرتها "النهار" يوم الخميس الماضي، وروى فيها معاناته في اقبية التعذيب في دمشق ابتداء من 29 آذار الماضي ولمدة اربعة ايام. فكان ما كتبه بمثابة نص يصيب الرائعة الخالدة "جحيم دانتي" بالخجل بسبب الامتهان الهائل للكرامة الانسانية في هذا الزمن.
الربيع العربي بعد الربيع اللبناني يؤكد ان اليد الطولى هي لدماء الاحرار. السفيرة انجيلينا إيخهورست رئيسة بعثة الاتحاد الاوروبي في لبنان لخّصت القضية ببراعة في كلمتها لمناسبة تقديم "جائزة سمير قصير لحرية الصحافة للعام 2011". ففي حديثها عن "سلطة الكلمات والافكار" قالت: "كان هذا ايضاً اقتناع سمير قصير الذي كان يخرج قلمه عند سماعه كلمة مسدس". اما كلمات فارس سعيد امس في المقال المدوّي في قضايا "النهار" فهي تخرس الرصاص عندما يخاطب المترددين الموارنة في هذا الزمن: "اذا لم تواكبوا هذه الثورة العظيمة، واذا لم تتقدموا طليعة الديموقراطيين في المنطقة فسيكتب أحدهم يوماً ان ربيع العرب كان خريف الموارنة". لا ضير ابداً ان يجري الحديث عن "خريف الشيعة" الذين تقودهم ثنائيتان ترتبطان بطاغيتين قابعتين في طهران ودمشق. والحال نفسه مع الذين يراهنون على انتصار الطغاة. سمير قصير الذي ينتصب وسط حديقته في قلب المدينة قال في كتابه "تاريخ بيروت" الذي يصيب قارئه بالعشق الدائم: "بيروت مدينة آسرة لأن الحياة تعاند فيها الجراح". لك افضل التحيات صديقي سمير.