كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء": اجتماع "الصدفة" في البرلمان رتّبه بعناية ليل اول من امس رئيس مجلس النواب نبيه بري بعد جولة من الاتصالات واللقاءات تولاها معاونه السياسي النائب علي حسن خليل ولا سيما على مستوى العلاقة مع رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط الذي تبيّن وفق المعلومات الموثوق فيها ان علاقته مع بري توترت الى حد بعيد على خلفية موقف الزعيم الدرزي من الجلسة الاشتراعية، قبل ان ينجح خليل ليل الثلاثاء في تطويق الازمة والاتفاق مع جنبلاط على سيناريو اللقاء الذي حصل امس في مجلس النواب.
وبصرف النظر عن التفاصيل (تتحفظ "اللواء" عن كشفها احتراماً لمجالس الامانات) التي تحمل الكثير من علامات الاستفهام، وربما الشك، عن طبيعة علاقة قوى الثامن من آذار مع الزعيم الدرزي وعن توجس هذه القوى من امكان حصول تقلبات جديدة في موقف جنبلاط وخصوصا في ضوء التطورات السورية، صار السيناريو الذي وضع بري تفاصيله موضع متابعة سياسية وديبلوماسية، ذلك ان رئيس حركة "أمل" استطاع بحنكته قلْب خسارته معركة الدعوة الى الجلسة التشريعية الى فوز بلقاء سباعي غطى على الخسارة، واعطى الانطباع بأن قوى الثامن من آذار خرجت من تعثرها المستدام منذ الخامس والعشرين من كانون الثاني الفائت الى رحاب التفاؤل بتزخيم تشكيل الحكومة.
يقول سياسي واسع الاطلاع ان السيناريو الذي تولاه بري بكامل تفاصيله، وخصوصا دعوة الزعماء الاربعة جنبلاط والنائب العماد ميشال عون وسليمان فرنجية ونجيب ميقاتي الى الحضور في وقت واحد الى المجلس من اجل اضفاء الزخم على مؤتمره الصحافي الذي لحق قراره ارجاء الجلسة التشريعية الى الاربعاء المقبل، نجح في استيعاب جزئي لما حققته قوى الرابع عشر من آذار من نصر دستوري وميثاقي بدا كأنه استعادة موقتة للاكثرية التي اضاعها منها رئيس "جبهة النضال"، واستكمل هجومه على "ثورة الارز".
ويرى ان هذا الاستهداف الاكثري المتواصل، وخصوصا لرئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، يطرح علامات استفهام عن خلفيات هذا الاداء بالتزامن مع "الزنقة" التي تمر بها قوى الثامن من آذار المتنقلة من تعثّر الى آخر، وفي ضوء تناسل التطورات السورية الدراماتيكية. ذلك انه من الواضح ان هذه القوى تسعى الى احداث او استحداث ثغرة ما تنفذ منها الى مساحة جديدة، وهي التي تعاني من ضيق في هامش تحركها في ضوء الضغوط الدولية المستمرة على سوريا، متنفسها السياسي وحاضنها الرئيس. وتالياً ليس أفضل من الاستهداف السياسي لـ"ثورة الارز" سبيلاً لقوى الثامن من آذار كي تقدّم جديدا لجمهورها وتطل عليه بخطاب تأزمي يعوّض عنها ما فشلت في تحقيقه منذ ان قررت دمشق الاكتفاء (الى حين) بالمرحلة الاولى من انقلابها السياسي في لبنان والاكتفاء بإبعاد سعد الحريري من دون الخوض في مراحل الانقلاب الاخرى.
ويشير الى ان هذا الواقع بات جليا، مما يجعل حلفاء دمشق، الواقعين بين حدّي التطورات الدامية في سوريا والضغوط الدولية المتصاعدة عليها والتي ستؤدي حكما الى ارباك لبنان الرسمي، يبحثون عن انتصارات متفرقة مهما بلغ حجمها او الثمن المطلوب لتحقيقها، في انتظار انفراج ما يأملون ان يتحقق سورياً ويمكّنهم من استعادة المبادرة لبنانياً.
ويعتبر السياسي واسع الاطلاع ان رئيس البرلمان يقود راهنا بالتفاهم مع حلفائه ومع القيادة السورية، معركة استعادة المبادرة، لو جزئيا، من خلال محاولة فرض ستاتيكو يمنع على قوى الرابع عشر من آذار تثمير عثرات خصومها وتوظيفها، لذا كانت الدعوة الى الجلسة التشريعية بمثابة قطع الطريق على احياء حكومة تصريف الاعمال،و لو من الباب الضيق المتمثل بتجديد ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في وقت صار معروفاً ان الرئيس الحريري كان يعدّ العدة للعودة الى السرايا الكبيرة لملء الفراغ السياسي والحكومي الحاصل.
ويقول ان الاستحقاقات التي تنتظر لبنان ستتشعب الى درجة قد تفوق ما قدّرته قوى الثامن من آذار• وهي تتمحور باغلبيتها الساحقة حول الموقف الدولي من النظام في سوريا في ضوء القرار الذي يجري الاعداد له في مجلس الامن والذي يسعى الى فرض عقوبات دولية عليه، شبيهة الى حد كبير بالقرار 1929 الذي ترك اضرارا بالغة في بنيان النظام المالي الايراني، وبالقرارين 1970 و1973 اللذين اصابا النظام الليبي باضرار كبيرة وخصوصا على المستوى المالي ? الاقتصادي.
ويشير الى ان هذه الاستحقاقات المرتبطة بالاحداث السورية، تتطلب اعادة احياء حوار وطني فعلي، يقارب مروحة من الهواجس، منها ما هو متعلق بطبيعة الموقف اللبناني في مجلس الامن متى جرى طرح القرار الدولي على التصويت، ومنها ما هو عائد الى القطاع المصرفي اللبناني الذي له ارتباطات عضوية بالنظام المصرفي السوري، اذ ان مصارف لبنانية عدة باتت تملك اصولا في السوق المالية السورية، وستكون مربكة بل مضطرة الى التعامل مع واقع جديد متى فرضت العقوبات المالية على دمشق، وهو واقع سيضطرها الاستجابة لهذه الضغوط (كما حصل في العلاقة المصرفية مع ايران اثر القرار الدولي 1929)، والى فضّ شراكات مع نافذين سوريين، وربما الى الخروج كليا من سوريا، مع ما يستتبع ذلك من خسائر مالية وادارية كبيرة.
ويخلص السياسي الواسع الاطلاع الى طرح 3 اسئلة قد تختصر الكثير من الكلام: ما مدى استعداد الرئيس المكلف تشكيل الحكومة الى التعامل مع كل هذه الوقائع؟ وهل في استطاعته ان يحتمل افرازات اي عقوبات مالية على سوريا؟ أويكون الاعتذار قبل صدور قرار فرض العقوبات، الثمن الاقل كلفة الذي سيدفعه للخروج من هذا المستنقع؟.