كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": على وقع التغيرات الحاصلة في المنطقة، وسع معهد "ايبالمو" الايطالي للابحاث والذي يرأسه وزير الخارجية سابقاً جياني دي ميكاليس دائرة مشاريعه. واذا كانت "ثورة 25 تموز" تركت بصماتها في الملف المصري، فإن اهمية الاحداث في دول المشرق، ولا سيما التجربة العراقية في بناء الديموقراطية، كانت وراء اطلاق عجلة البرامج في العراق ولبنان والاردن منذ 2007. برامج ركزت على تقوية دور المؤسسات في المنطقة العربية، وفي مقدمها البرلمانات، باعتبارها ركنا بنيويا في قيام ديموقراطية حقيقية.
لاشك في ان فترة الاعوام الخمسة التي استغرقها تطبيق المشاريع ترافقت مع تحولات عدة، آخرها "الربيع العربي". وقد استدعى ذلك تعجيلا في وتيرة البرامج، في تقييم وزير الخارجية الايطالي سابقاً الذي التقته "النهار" على هامش زيارته للبنان، انطلاقا من رغبة ايطالية وأوروبية قضت بارسال "اشارات قوية" الى الحكومات والنخب عموما والرأي العام العربي تحديدا خصوصا بعدما بدا حضوره قويا.
وفي مقابل الاقتناع الذي ارتسم في الحقبة الماضية لجهة اعتبار المجتمعات الاسلامية عموما والعربية خصوصا "الاقل تفاعلا" مع التغيرات التي فرضتها العولمة وثورة التكنولوجيا، بدلت ردود الفعل القوية حيال التحولات في المنطقة العربية المقاربات الاوروبية. وهي تزامنت مع اقتناع ايطالي على وجه التحديد، بأن السبيل الوحيد لمواجهة التحديات العالمية يقضي بانخراط اقوى بين الدول الاورومتوسطية وتوسيع الاطار الاوروبي، شرقا وجنوبا، على قول دي ميكاليس: "انخراط يعني ضمنا التوسع نحو الدول العربية والاسلامية وتخطي الصعوبات المتعلقة بالحوار بين هويات دينية وثقافية مختلفة. لم يعد الموضوع مهما فحسب، وانما بات ضروريا".
سلسلة رسائل انتجتها الثورات وبلغت اصداؤها الغرب. لعل ابرزها "رسالة التلاقي" التي خالفت مقولة "صراع الحضارات" المتنامية من جراء احداث 11 ايلول: "بتنا نشهد شبابا ثائرا لاسباب داخلية وليس في وجه الغرب. شباب يسعى الى تحسين شروط بيئته الذاتية ويطالب بالكرامة والحرية والديموقراطية. فهمنا الرسالة. فإما ان نقبل التلاقي وإما نتباعد. والطرح الاخير يعني الذهاب في اتجاه الانغلاق".
يقر الاوروبيون بأن التطرف قد يكون احد انعكاسات الثورات، الا انهم يعولون في المقابل على دور حكومات بلادهم في العمل في الاتجاه الصحيح لمعالجة هذه الذيول، وسط تشديد على التقاط "الفرصة الكبيرة" الناتجة من التغيير.
ومع اقرارهم بأن المشاريع الاقتصادية تبقى ناقصة ما لم تترافق وتحركات سياسية حيال دول المنطقة، يجددون الدعوة الى مبادرة تعزز الحوار، علما ان الموضوع احتل حيزا من جدول اعمال عضو البرلمان الاوروبي منذ مدة. من تجلياته، كما يبدو، الدعوة التي اطلقها من ستراسبورغ وعقب عدوان تموز 2006، الى مبادرة اوروبية ديبلوماسية تدعم الحوار بين اطراف النزاع وتعيد جمعهم حول الطاولة: "انا مقتنع اليوم اكثر من اي وقت مضى بضرورة ان نضع طرحا ما على الطاولة فورا. كأوروبيين، نحتاج الى امرين، تعاون اقتصادي لمواجهة اي ازمة قد تؤثر على التطور الايجابي للثورات، ولو اننا ماليا واقتصاديا في وضع ليس بجيد، فيما يبرز طرح آخر يدعو الى تكثيف المبادرات والرسائل السياسية لتعويض النقص الذي قد يتأتى من اي نقص اقتصادي محتمل".
من الامور التي يتم بحثها راهنا في هذا المجال، على ما يكشف، اعادة اطلاق التعاون الاورومتوسطي عبر الذهاب ابعد من عملية برشلونة وسياسة الجوار والاتحاد من اجل المتوسط وصولا الى اعادة مناقشة قواعد اللعبة كلا. وبالتزامن مع المساعي الجارية لاستقطاب دول اوروبية الى فلك الاتحاد، يشدد المسؤول الايطالي على اهمية اتباع سياسة الحوافز تجاه الانظمة العربية الناشئة لحضها على المضي سريعا في مسارها الديموقراطي: "قد تكون سياسة العصا والجزرة احد السبل المناسبة، ولو اننا اليوم نركز على الوسيلة الاولى، انطلاقا مما يحصل في ليبيا مثلا".
ابعد من ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والمنطقة والذي شكل مدار بحث بين وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني ومفوض وكالة الامم المتحدة لغوث اللاجئين وتشغيلهم "الاونروا" فيليبو غراندي في الآونة الاخيرة، يدعو دي ميكاليس الى التركيز على العنوان الاعرض، عبر دعم مبادرة الرئيس الاميركي باراك اوباما والضغط على الحكومة الاسرائيلية كي تعيد اطلاق المفاوضات بكل عناصرها. وهو يرد على الكلام عن توجه الاتحاد الاوروبي للاعتراف بالدولة الفلسطينية، بأمل ان يتفهم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو اهمية العودة الى التفاوض، مذكرا بأن "الاعتراف بالدولة الفلسطينية من جانب واحد من شأنه ان يخلق وضعا على غرار ما حصل في كوسوفو. من هنا اهمية التوصل الى حل حقيقي".
وفي وقت يتوقع أن يشكل الشرق الاوسط او منطقة حوض المتوسط الموسعة رابع الاقتصادات الناشئة عالميا بعد الصين والهند والبرازيل، لا يستبعد في رد على سؤال التوجه نحو "خطة مارشال" عربية، على غرار ما شهدته دول في اوروبا الشرقية سابقا: "قد تكون الخطة احد ابرز الامثلة التاريخية"، يعلق، "ومن الممكن خلق شيء مشابه في هذا الجزء من العالم ولو بطريقة مختلفة، عبر استخدام الثروات الطبيعية فيه كالغاز والنفط. بذلك، نجمع بين التكنولوجيا والموارد المالية، ونخلق منطقة اكثر تنافسية".