#adsense

الأوصياء يحاضرون الأوفياء

حجم الخط

رئيس مجلس النواب نبيه برّي مجدداً إلى الواجهة، إنما هذه المرّة باندفاعة غير معهودة لفتح أبواب ساحة النجمة وعقد جلسات تشريعية في ظلّ حكومة أُسقطت باستقالة 11 وزيراً، وباتت حكومة تصريف أعمال، وكان الرئيس برّي المشارك الفعلي في الإطاحة بها.

غريبٌ أمر هذا الرجل، فهو من جهة يُسقط الحكومة ويُسقط معها اتفاق الدوحة الذي تعهد فيه جميع الفرقاء بعدم الاستقالة من أي حكومة أو الإطاحة بها، ومن جهة ثانية يدعو إلى جلسة تشريعية فيما امتنع عن عقد مثل هذه الجلسات في عزّ وجود حكومة فاعلة، لا بل أكثر من ذلك فقد أقفل مجلس النواب ورمى مفتاحه في المتوسط، واحتلّ مع الحلفاء وسط بيروت أمّ الشرائع، وعطّل المؤسسات، واعتدى على الأملاك العامة والخاصة لمدة سنة ونصف السنة إلى أن جاء الفرج من الدوحة، ويبدو أن مفعوله كان عظيماً، فأسقط برّي الحواجز وتخطّى الموانع وعبّد الطريق إلى مجلس النواب وفرش السجاد الأحمر، وأمسك مطرقته الخشبية بيدٍ حديدية ما أدّى إلى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية التي نالت ثقة مجلس النواب وتابعت عملها حتى موعد الانتخابات النيابية في صيف العام 2009. كلّ ذلك جرى بسحر ساحر أو بفعل "وصفةٍ دسمة" تزامنت مع إقرار اتفاق الدوحة.

أما اليوم، الرئيس برّي يعكس المشهد، ويحاول الظهور بقناع "الخائف" على مصير الوطن "والحريص" على الوحدة الوطنية، فيلجأ إلى دعوة مجلس النواب إلى جلسة تشريعية بالرغم من عدم دستوريتها لأن مجلس النواب في عقدٍ استثنائي مهمته محصورةً في متابعة تشكيل حكومة لمنحها أو حجبها الثقة، وبالرغم من عدم موافقة أعضاء هيئة مكتب المجلس على عقد الجلسة، وبالرغم من الانقسام الحاد السائد في البلد، وبالرغم من معارضة حليفيه جنبلاط وميقاتي لمثل هذه الجلسة… يبقى برّي مصرّاً عليها.

إنها جلسة العصر… جلسةٌ مقنّعة ظاهرها الحرص على عمل المؤسسات الدستورية، فيما باطنها يُخفي محاولة احتكار السلطتين التنفيذية والتشريعية. حقاً غريب أمر هذا الرجل الذي لا يهوى التزلج إلاّ حين يذوب الجليد ويختفي الثلج.

إلى جانب هذا "المشهد الدستوري" الذي يلعبه الرئيس برّي فهو يصوّب سهامه الجارحة إلى صدور نصف المجتمع اللبناني ورموزه، وشهدائه حين ينال من "ثورة الأرز" ويتهمها بإعادة لبنان إلى الوراء. هذه الثورة التي لامست الشمس بوضوحها، وروت تراب الوطن بدماء شهدائها، تتعرّض اليوم لأبشع أنواع التجريح والتهكم والتشويه على أيدي مَن استفادوا من رقيّ هذه الثورة وحضارتها ونصاعتها.

هذه الثورة يا دولة الرئيس، حافظت على التقاليد واحترمت الخصوصيات، فكان بديهياً أن تلجأ إلى الخيار الأسهل وهو استبدال كلّ رموز الماضي، لكنها لم تفعل، لا لخوفٍ من ردات فعلٍ إنما حرصاً على الوحدة والمصير وانسجاماً مع تاريخ شعبٍ وتمسكاً بأدبيات السياسة والعراقة اللبنانية.

وهنا يا دولة الرئيس تكمن المفارقة، أن يستفيد أحد الرموز من أدبيات ثورة الأرز وعراقتها ليبقى في منصبه لدورتين متتاليتين وهو الفاقد للأكثرية النيابية وفي الوقت نفسه يُمعن في نعت الثورة، ثورة الأرز، بشتى النعوت والأوصاف، إنها المفارقة… لا بل إنها لعنة القدر…

نعم يا دولة الرئيس، ثورة الأرز "كادت" تُعيد لبنان إلى الوراء لأنها تجاهلت كتاباً عنوانه "غدر الزمن" وفصله الأول "الأوصياء يحاضرون الأوفياء". إلاّ أن الحكمة يا دولة الرئيس تقضي بقراءة هذا الكتاب والتمعّن بمضمونه والتدقيق بمفرداته منعاً لأن تبقى المياه سارحةً من تحت أقدام الثورة … ولن تبقَى.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل