كتب شارل جبور: نقلت التطورات والتحولات التاريخية التي تشهدها المنطقة العربية الاهتمامات المسيحية من اليوميات السياسية إلى الخيارات الاستراتيجية، حيث بدا أن الانقسام السياسي يسحب نفسه على الخيارات المبدئية في ظل بروز ثلاث وجهات نظر يمكن اختصارها بالآتي:
الوجهة النظر الأولى تدعو إلى الاستفادة من التحولات التي تجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج من أجل التقاط الفرصة المناسبة لإعادة النظر بالصيغة اللبنانية برمتها وليس فقط باتفاق الطائف، وذلك تصحيحا لـ"الخطأ التاريخي" الذي قضى بضم الأقضية الأربعة إلى جبل لبنان وتحويل المسيحيين من أكثرية مطلقة ديموغرافيا إلى أكثرية بسيطة في مرحلة أولى ومن ثم إلى أقلية. وبمعنى أوضح يعتقد أصحاب وجهة النظر هذه أن ما يحصل من تطورات سيفتح الباب أمام إعادة تشكيل المنطقة على أسس اتنية وطائفية عبر إعادة الاعتبار لمشروع الأقليات في المنطقة الذي بات حاجة ملحة للغرب بغية وقف التمدد الشعبي السني وإقامة نوع من التوازن مع الحالة العربية الشعبية الناشئة.
الوجهة النظر الثانية تدعو إلى ترقب ما ستؤول إليه هذه التحولات بعيدا عن الرهانات ومن دون المجازفة في إعلان مواقف مرحبة أو قلقة قد تنعكس سلبا على لبنان والمسيحيين فيه، إنما الحرص على تقطيع هذه المرحلة الانتقالية بأقل أضرار ممكنة والعمل على التكيف لاحقا مع نتائجها. ولا ضير في هذه المرحلة من الانكباب على الملفات "المسيحية" الداخلية من بيع الأراضي إلى الحضور المسيحي داخل الدولة.
الوجهة النظر الثالثة تدعو إلى التفاعل الإيجابي مع الثورات العربية التي ستطوي صفحة النظام العربي القديم، الذي فقد لبنان في ظله مقوماته الدولتية والسيادية والاستقلالية، وتُأسس لعالم عربي جديد يعيد الاعتبار إلى التجربة اللبنانية الرائدة في العيش معا والديموقراطية والحريات.
وتنتطلق المقاربة الثالثة من ثابتة أن الدور "الاقتحامي" للمسيحيين لا الانكفائي هو الذي جعل من هذه الطائفة "طائفة مميزة" في لبنان، وهذا التميز مرده إلى حملها مشروع سياسي وهم وطني أكبر من مسألة الحفاظ على حضور المسيحيين أو حجمهم على أهميتهما، لأن المشروع السياسي أو الدور الوطني شكل ويشكل المدخل أو الضمانة للوجود المسيحي، بينما الانكفاء من الهموم الوطنية إلى الهموم المسيحية يفاقم الهواجس ويحول هذه الجماعة من لاعب سياسي وشريك وطني إلى باحث عن حماية. فالضمانة لاستمرارية الحضور المسيحي تكون في الانفتاح لا الانغلاق الذي قد يساهم في الحد من الخسائر أو النزف ولكن لفترة مؤقتة ومرحلية.
ولعل المفارقة التي لا تجد تفسيرا لها عند أصحاب وجهتي النظر الأولى والثانية هي كيف يمكن للمسيحيين الذي كانوا أول من أرسى دعائم دولة ديموقراطية في هذا الشرق وقائمة على التعدد والتنوع، وأول من بدى مفاهيم الحرية بكل أبعادها على المفاهيم الحقوقية (بالمعنى الحصصي الضيق)…كيف لهم أن يقاربوا الثورات العربية بعين القلق لا الأمل؟، خصوصا أن أساس معاناتهم ومصدر الخطر الذي كاد يودي بالمشروع الذي كان لهم المساهمة الأكبر فيه هو هذه الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، بينما الضمانة الأساسية لمشروع الدولة في لبنان هو الديموقراطية في العالم العربي وخصوصا في سوريا.
ثمة مناخ عربي جديد وواعد لا يجوز للمسيحيين أن يكونوا على هامشه أو عدم الوصل معه. فمستقبلهم مرتبط بمستقبل المنطقة، هذا المستقبل الذي أعادت الشعوب العربية رسمه وتشكيله ليس على قاعدة جغرافية-سياسية، لأن المنطقة ليست أمام تفكيك أو تقسيم أو تجزئة، إنما على قاعدة سياسية عبر إعادة إنشاء هذه الدول وتنظيمها وصياغة دساتيرها وتطوير حياتها السياسية من بنيتها الإدارية والحكومية والبرلمانية إلى القضائية والإعلامية والحزبية.
ومن هنا، على اللبنانيين وفي طليعتهم المسيحيين مواكبة التحولات التاريخية الجارية على قدم وساق والوصل معها انطلاقا من مستويين بالحد الأدنى:
*مستوى داخلي قوامه إعادة الاعتبار لدور الدولة المغيب بفعل سلاح حزب الله والعمل على إعادة تأهيل هذه الدولة وتطويرها باتجاه قيام دولة مدنية وذلك استناداً الى إتفاق الطائف. وهذا ما يتطلب إطلاق ورشة لتحديد وصياغة مفهوم الدولة المدنية بشكل واضح ودقيق من دور كل من المجلسين النيابي والشيوخ وصلاحياتهما إلى الأحوال الشخصية.
*مستوى خارجي قوامه الدفع باتجاه قيام سوق عربية مشتركة وصولا إلى الوحدة العربية على طريق ونسق الوحدة الأوروبية، هذه السوق التي كان يحول دونها التعارض الايديولوجي-البنيوي في أكثر من جانب وعلى أكثر من صعيد، بيد أن الثورات العربية التي شقت الطريق أمام الديموقراطيات المؤسسة تشكل المدخل الصحيح نحو بناء هذه السوق الموعودة.
يبقى أن أولوية المسيحيين وطنية قبل أن تكون مسيحية، كما أن أولويتهم إعادة الاعتبار للدولة قبل الاحتفاظ أو البحث عن مواقع داخل دولة افتراضية وغير موجودة. فهجرتهم وضعفهم وتراجع دورهم وتميزهم كلها عوامل ناتجة من انهيار الدولة وتفككها، وعبثا البحث عن أدوار ستبقى وهمية في ظل اللادولة.