رهان على ربيع لبناني ثانٍ يُحصّن الاستقرار الداخلي
طرفا الصراع الداخلي عند معادلة "لا رابح ولا مهزوم"
كتبت رلى موفق في صحيفة "اللواء": ثمة أسئلة بدأت تُطرح في الحلقات الضيّقة عن معالم التسوية السياسية التي لا بُد من أن تُطرح حين يسود اقتناع لدى الأطراف اللبنانية بأن لحظة الجلوس إلى الطاولة قد آن أوانها، وهي لحظة آتية في ظل ما تُحدثه الثورات العربية من تغيّرات في موازين القوى الإقليمية وانعكاسها على اللاعبين المحليين، وإنْ كان لا يزال مبكراً الحديث عن نضوج الظروف الآيلة إلى مثل هذه التسوية.
ففي رأي مراقبين أن طرفيّ الصراع الداخلي يقفان راهناً على حافة معادلة "لا رابح ولا مهزوم". ففريق الثامن من آذار الذي أطاح بحكومة سعد الحريري، انطلاقاً من قناعته السابقة بأن موازين القوى الإقليمية تسمح لمحور الممانعة السوري – الإيراني أن يقلب التوازنات السياسية الداخلية لمصلحته، يُدرك اليوم أنه لم يعد في موقع القوّة نفسه الذي يمكّنه من المناورة أو التحكّم الكليّ بإدارة اللعبة أو فرض الشروط، كما كان يعتقده يوم أقدم على قلب الطاولة. لا بل إن "حزب الله" رافعة هذا الفريق، يُواجه جملة جديدة من المعطيات بدءاً من تسارع التطورات في سوريا واهتزاز صورة رئيسها وتصاعد الضغوط عليه، مروراً بتحدّيات طهران الداخلية معطوفة على اشتداد الحصار على المشروع الإيراني وبعده التوسعي بعدما تلقى ضربة موجعة في البحرين، وترنّحت الورقة الفلسطينية من يده، وصولاً إلى تضييق الخناق على الشبكات المالية العاملة لمصلحته خارجياً، والظروف الصعبة التي تواجه الجاليات الشيعية في غير مكان، والقلق الصامت والظاهر لأبناء الجنوب من تداعيات اشتعال جبهة الجنوب. وهي معطيات لا بد أنها تُدرس بعناية لدى قيادة الحزب، لتظهير كيفية تعامله مع المستجدات وطبيعة خطواته المقبلة والمدى الذي يمكن أن تصل إليه. ففيما كان "حزب الله" في ذكرى النكبة يُحرّك ساحة الجنوب باللحم الحيّ الفلسطيني على إيقاع مُتناغم مع تحريك النظام السوري لجبهة الجولان، تَعامَل في يوم النكسة بطريقة مختلفة تماماً حيث تقدّمت الواقعية السياسية للحزب ? وربما لعرّابه العقائدي – على غيرها من الاعتبارات، بينما كانت دمشق تصرف من رصيدها المباشر وتلعب بأوراقها وحيدة، بعد انكفاء لغة وحدة المسار والمصير.
تلك الواقعية السياسية لـ "حزب الله" تُعبّر في جانب منها عن إدراك ضمني لديه بأن الظروف الخارجية آخذة في التبدّل لغير مصلحته على مستوى الدور الإقليمي الذي كان رسمه لنفسه وتباهى به طويلاً من دون أن يُعير أهمية لمناهضة فريق كبير من اللبنانيين له، ولما شكّله من مصادرة لقرار الدولة والجماعات الداخلية المختلفة، وخللاً في تركيبة الحكم وعلاقة لبنان بمحيطه العربي.
وتذهب أكثر من جهة سياسية على تماس مع "حزب الله"إلى الاعتقاد بأن الحزب يضع في صلب أولوياته – كما إيران – إنقاذ النظام السوري كإحدى ركائز محور الممانعة، إلا أنه لن يُغامر راهناً في أي خطوة قد تُشكّل انتحاراً سياسياً له تُفقده ما استطاع تحقيقه خلال ثلاثة عقود، سواء سياسياً أو على مستوى موقع بيئته المذهبية وواقعه الشعبي والمناطقي.
على أن أحد الوزراء الذين رافقوا الرئيس رفيق الحريري إبان وجوده في الحكم يروي أن قوّة الحريري كانت في قدرته الدائمة على دفع البلاد إلى الأمام وخلق المناخات المساعدة لبناء مقوماته وقدراته الاقتصادية بانتظار أن تؤول الظروف الإقليمية والدولية إلى إنهاء دور الوصاية السورية وانتهاء مفاعيل سلاح "حزب الله" في المعادلة الإقليمية. ورغم ما حققته "ثورة الأرز" من إخراج للجيش السوري من لبنان مرحلياً، إلا أن قوى الرابع عشر من آذار كانت تراهن دائماً على نضوج التسويات الكبرى في المنطقة التي من شأنها أن تُنهي مفاعيل هذا الدور الإقليمي لحزب الله، لاستدراكها أن حل السلاح ليس قراراً داخلياً، ولا تأثير لموازين القوى اللبنانية عليه.
اليوم يتغيّر المشهد اللبناني بفعل تغيّر المُعطى السوري، وإن كانت جزئيات المشهد غير مكتملة بعد، لكنها تفتح في رأي المراقبين الباب أمام فرصة فعلية لبدء البحث في تسوية لبنانية داخلية• إلا أنها تسوية لا يبدو أن أحداً من الأطراف الداخليين قادر على تحديد معالمها والمدى الذي يمكن أن تصل إليه، ولا سيما أن كلاً من الجماعات الطائفية يعيش حالاً من القلق حول مستقبله كجماعة قبل أن يبحث عن دوره السياسي في الحكم.
وفي اعتقاد أكثر من طرف سياسي، أن التسوية السياسية لن يمكنها أن تدفع إلى تغيّر جذري في تركيبة النظام الحالي، نظراً إلى أن مناخات الثقة بين الجماعات اللبنانية ضعيفة. وجل ما يمكن أن يصل إليه الفرقاء السياسيون اليوم هو الدعوة إلى تطبيق اتفاق الطائف أولاً، والانطلاق من الآليات التي يحددها في حماية حقوق الجماعات، باستكمال تنفيذ بنوده لجهة تشكيل مجلس الشيوخ، والبحث الجديّ في قانون انتخاب عصري يؤمّن صحة التمثيل وعدالته.
وفيما يكشف أحد المنظّرين الماركسيين في قوى الرابع عشر من آذار أن هذه القوى ستبدأ قريباً ورشة داخلية تستعين فيها بالخبراء والقانونيين والتجارب الديموقراطية في الدول العريقة، بغية وضع تصور لما تطمح إليه من مشروع طموح للنظام اللبناني، يرى أن الأسباب التي تدفعها إلى مثل هذه الورشة اقتناعها بأن "الربيع العربي"الذي آلت إليه الثورات العربية لا بد من أن يؤدي إلى "ربيع لبناني ثان" إذا صح التعبير، ذلك أن "الربيع اللبناني الأول" ارتكز على تحقيق الحرية والسيادة والاستقلال من وطأة وصاية خارجية، من دون أن يحمل مشروعاً سياسياً تغييرياً. غير أن هذا المشروع الطموح الذي لا بد من أن يصل إلى الدولة المدنية قد يحتاج إلى مرحلة طويلة من النضال المستقبلي، وليس بالضرورة أن تكون القوى الحزبية المكونة لـ "ثورة الأرز" هي حاملة لواء هذا المشروع، بل إن الرهان يبقى على القوى الشبابية والمجتمع المدني الذي حمى "انتفاضة الاستقلال" ومدى قدرته على التأطر خارج الاصطفافات الطائفية والمذهبية والحسابات الضيّقة.
على أن الواقعية السياسية التي يرى المراقبون أن "حزب الله" بدأ في ممارستها أو على الطريق إلى ذلك، تتطلب أن تلاقيها قوى الرابع عشر من آذار في منتصف الطريق، في اللحظة المناسبة. يوبقى السؤال ما إذا كانت المعادلة الراهنة "لا رابح ولا مهزوم" هي اللحظة المناسبة التي لا بدّ لفريقي الصراع أن يلتقطاها كي لا تُفوّت الفرصة على لبنان في تحصين ذاته.