كتب فادي شامية في صحيفة "اللواء": في 2/8/2009 أعلن النائب وليد جنبلاط <خروجه من فريق 14 آذار ووقوفه في صف وسطي محايد"، وذلك بعد فترة من التمهيد لهذا التغير في التموضع السياسي للزعيم الدرزي الأول. حاول جنبلاط بعد هذه "التكويعة" الحفاظ على هامش من المناورة، فقطع مع حلفاء الأمس المسيحيين وحافظ على علاقته بحليفه سعد الحريري، كما حاول الفصل بين نوابه الحزبيين وكتلته النيابية، بهدف الحفاظ على الأغلبية النيابية لصالح 14 آذار.
لكن جنبلاط لم يبق على هذه الحال، حيث نَحَتْ مواقفه باتجاه فريق 8 آذار بوضوح، إلى أن أعلن في 21/1/2011 وقوفه مع سوريا و"حزب الله" متخلياً عن حليفه السابق سعد الحريري، ومتبنياً مرشح "حزب الله" لرئاسة الحكومة المقبلة، بما يعني نقل الأغلبية النيابية من فريق إلى آخر.
غير أن جنبلاط، الذي لا يستقر على حال، وذلك تبعاً للظروف الإقليمية والمحلية، أخذ يعطي إشارات لاحقاً على تبدل جديد في تموضعه السياسي، بالتزامن مع الأوضاع المستجدة في سوريا من جهة، والتعثر الواضح في تشكيل الحكومة من جهة أخرى.
إشارات ومواقف
بعد نحو شهر فقط على إعلانه وقوفه إلى جانب سوريا و"حزب الله"؛ نبه جنبلاط حلفاءه الجدد- في مقابلة على قناة LBC في 24/2/2011- إلى ضرورة عدم الجموح في خياراتهم السياسية، فرفض مقولة العماد ميشال عون للحريري One Way Ticket "لأنه هناك توازنات في البلد"، كما رفض استهداف رئيس الجمهورية لأن سليمان لم يُخِلّ "بالتوازن الدقيق والعلاقات الموضوعية بين لبنان سوريا"، كما رفض استهداف "شعبة" المعلومات، وأعلن أن السعودية قطعت علاقاتها معه، رداً على تخليه عن تحالفه مع سعد الحريري. كان هذا مع بدايات التأخر في تشكيل الحكومة، وقبل اندلاع الاحتجاجات في سوريا.
مع عجز الغالبية الجديدة عن تشكيل الحكومة، وتفاقم الأوضاع في سوريا، أطلق جنبلاط، في 10/5/2011، موقفاً لافتاً؛ إذ اعتبر أن "الأغلبية البرلمانية فشلت فشلاً ذريعاً في تأليف الحكومة الجديدة"، لافتاً إلى أنه "لم يعد منطقياً الاستمرار في تغطية هذه الحال من المراوحة في المكان والفراغ والتعطيل". وفي 27/5/2011 أطلق جنبلاط دفعة جديدة من مواقفه المثيرة للجدل، مشيراً إلى أن "الحلفاء في حزب الله يضعون العماد ميشال عون في الواجهة، ولا يُريدون تأليف الحكومة…أحياناً حلفائي يُفكّرون بمنطق غير منطقي ولا أفهمه… وهناك صعوبة بالتفاهم". شكّل هذا الموقف الذروة في انتقادات جنبلاط، سيما أنه توافق موضوعياً مع موقف 14 آذار من أزمة تشكيل الحكومة، غير أن اللافت في هذا الاتجاه كان استيعاب "حزب الله" للمواقف الجنبلاطية، وقول أوساطه عبر صحيفة "الشرق الأوسط" في اليوم التالي:
"مقبولة منه، لأننا نعلم تماماً أن أبعادها لا تتخطى نيته الحسنة" (28/5/2011)!.
غير أن جنبلاط لم يتوقف، فأعلن في 31/5/2011 بأنه "محبط ومقهور، ولقد سبق وتموضعنا وعلقنا على الدبق، عندما كنا في 14 آذار…
أما الآن (بعدما تحالفنا مع فريق 8 آذار) فقد علقنا على الدبق (أيضاً) ولا نستطيع أن نتحرّك"• أضاف جنبلاط: أن "مكمن تعطيل ولادة الحكومة داخلي، و(أن) حزب الله يستطيع أن يفعل شيئاً"!.
…وحركة سياسية لافتة
على مستوى الحركة السياسية؛ قام زعيم المختارة بزيارات إلى كل من فرنسا وقطر، وفي كلا البلدين سمع جنبلاط بعباراتٍ صريحة، أن الموقف من النظام السوري ليس على ما يرام، وأن الخيارات أمام الرئيس الأسد محدودة؛ إما التغيير أو سقوط النظام بفعل الاحتجاجات الشعبية، فيما سمع من قطر موقفاً سلبياً من سوريا وحلفائها في لبنان، بعدما أطاحوا باتفاق الدوحة، ما دفع جنبلاط إلى الإعلان بأنه عاد من قطر أكثر تشاؤماً (4/6/2011)!.
إشارات جنبلاط لم تقف عند هذا الحد، ففي حركته السياسية توجه واضح نحو إعادة الحرارة إلى العلاقات مع حلفائه السابقين، وبالأخص منهم الرئيس سعد الحريري، الموجود خارج لبنان منذ أسابيع عدة. وفي هذا الإطار يندرج اجتماع جنبلاط بالرئيس فؤاد السنيورة، وحرصه على "مصالحة" الشارع السني من خلال زيارته دار الفتوى، فضلاً عن زياراته واجتماعاته مع عدد من القيادات السنية القريبة من تيار "المستقبل". كما يندرج في هذا الإطار أيضاً عودة التواصل بين جنبلاط وعدد من أركان الأمانة العامة لقوى 14 آذار، وقيادات مسيحية بارزة وفي مقدمها الرئيس أمين جميل.
وكان الاجتماع الأخير (الجميل- جنبلاط) في 2/6/2011، قد حظي بتعليق العماد ميشال عون، إذ رأى فيه، "بداية تكويعة"، ما جعل التحليلات والتعليقات حول هذا الموضوع كثيرة جداً. هذا الجو دفع جنبلاط إلى طمأنة حلفائه الجدد أمس الأول إلى أنه "لا يزال معهم"، نافياً صحة استنتاج عون من أنه "يقوم بتكويعة جديدة".
اللافت في تصريح جنبلاط هذا؛ أنه حمل تطميناً لحلفائه الجدد من جهة، وافتراقاً عنهم بالمواقف من جهة أخرى، فبالعودة على التصريح إياه يقول جنبلاط إنه لن يشارك في الجلسة النيابية التي دعا إليها الرئيس نبيه بري "إلا إذا كان في جدول أعمالها بند واحد مرتبط بالتمديد لرياض سلامة" حرصاً منه على أن "لا نستبدل الوزارة بالمجلس النيابي، وأن نزيد في الشرخ الحالي السياسي". "المسؤولين الفرنسيين والقطريين والأميركيين (إشارة إلى اجتماعه بمساعد وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى جيفري فيلتمان مؤخراً)، بـ"ضرورة منح الرئيس بشار الأسد فرصة تنفيذ كل الإصلاحات المطلوبة"، وقد ختم جنبلاط تصريحه "التطميني" هذا مستعيراً كلمات وزير الخارجية التركي داوود أوغلو: "لا بد من صدمة يطل فيها الرئيس السوري على الشعب السوري، وينفذ ما وعد به، والتحقيق بما جرى"!.
ليس ثمة شك في أن جنبلاط، الذي يلتقط الإشارات الإقليمية ويتفاعل معها؛ يدرك أن الظروف الإقليمية والمحلية التي أدت إلى إعلانه الوقوف إلى جانب "سوريا وحزب الله" قبل نحو أربعة أشهر قد تبدلت سريعاً، وأن المواقف والتحالفات السياسية التي كانت صالحة في فترة محاصرة وإسقاط حكومة الحريري لم تعد مناسبة اليوم، لكن ذلك لا يعني أن جنبلاط سيقوم بحركة بهلوانية سريعة ينقلب فيها على حلفائه الجدد، أو يعلن الافتراق عنهم، لأنه لا بد
لجنبلاط أن يراعي التدرج في المواقف من جهة، وتزامن إيقاعه السياسي مع إيقاع المتغيرات في المنطقة، ولا سيما في سوريا، من جهة أخرى.
ومن الآن وحتى تتضح الصورة أمام جنبلاط، فإن تموضعه الصحيح هو ما أعلنت عنه أوساط جنبلاط نفسه: "هو وسطي ولم يكن يوماً جزءاً من فريق 8 آذار