أن يقول الرئيس نبيه بري ما قاله عن "ثورة الأرز" بأنها "أعادت لبنان ستين عاماً إلى الوراء"، فهذا الأمر لا يدعو للاستغراب لأن هذه الثورة أخرجت الوصاية السورية التي يعود لها الفضل الأساس في فرض "دولة الاستاذ" رقماً صعباً داخل الطائفة الشيعية بعد ضرب القوى السياسية الحية والفاعلة داخل هذه الطائفة. فالرئيس بري، ومن باب الوفاء لسوريا والخشية على مستقبل دوره في حال سقوط النظام السوري، اندفع غرائزياً وراء إعلان ما أعلنه. وهذا فضلاً عن الدور المطلوب من الرئيس بري سورياً إما لجهة توتيره الأوضاع اللبنانية وتسخينها لصرف أنظار اللبنانيين عما يرتكبه النظام السوري من أعمال قمع وعنف بحق المتظاهرين المسالمين، أو لناحية تحوير أنظار المجتمع الدولي عبر إشغاله بمجموعة ملفات ساخنة أو الدخول مع هذا المجتمع في مقايضة قديمة جديدة مفادها: تثبيت الاستقرار في لبنان ثمنه غض نظر المجتمع الدولي عن الحسم الأمني وتمديد فترة السماح للنظام. أما الدور الثابت والدائم المطلوب من بري فهو إظهار ان اللبنانيين منقسمون وعاجزون عن حكم نفسهم بنفسهم تبريراً لتدخل سوري أو الحلم بوصاية متجددة، هذه الوصاية التي لم تعد مقبولة في دمشق فكيف بالحري في بيروت؟
أما ما يدعو للاستغراب حقيقة فليس "دولة الاستاذ"، وإنما النائب العوني زياد أسود الذي اعتبر في كلمة له في بروكسل ان الشعب اللبناني "وقع ضحية الغش السياسي عبر وهم الثورات والتغيير ومنها ثورة الأرز التي لم تكن سوى وسيلة لاستكمال الانقضاض على لبنان ونهب للثروات فيه".
ولعل مرد هذا الاستغراب نابع من جملة حقائق أهمها:
أولاً: حرص التيار العوني بعد تحالفه مع "حزب الله" على مسألتين: عدم تصنيفه في خانة 8 آذار؛ واستبدال التسمية التي أطلقت على قوى انتفاضة الاستقلال ربطاً بيوم 14 آذار بقوى 14 شباط على خلفية ان خروجه من 14 آذار يُفقد هذا الفريق الحق باحتكار هذه التسمية، وهذا بحد ذاته إقرار، لا تنصّل من التيار العوني بدوره في ثورة الأرز.
ثانياً: لعل باستطاعة التيار العوني التمييز بين 14 آذار كفريق سياسي وثورة الأرز كانتفاضة شعبية "لم يشهد لها لبنان الحديث مثيلاً"، وهذا التعبير مقتبس من مقدمة الكتاب البرتقالي حيث ورد ما حرفيته: "في الرابع عشر من شهر آذار 2005، وفي حماسة لم يشهد لها تاريخ لبنان الحديث مثيلاً، أعلن اللبنانيون، مسيحيين ومسلمين، وحدتهم وتمسكهم بالقيم الأساسية للجمهورية: الحرية والسيادة والاستقلال، مجمعين على المطالبة بالانسحاب الفوري لجيش الاحتلال السوري، وعلى التمسك بلبنان وطناً نهائياً".
فالتنكر بهذا المعنى لثورة الأرز يعني ممارسة نوع من فعل الندامة على مساهمة التيار في ما أنجزته هذه الثورة من إخراج المحتل وتوحيد اللبنانيين، أي على قاعدة إذا كان ما تحقق يخدم مصالحنا فليكن، وفي حال العكس لا بأس من إدامة الاحتلال وتكريس الفرز القائم، علماً ان الوقائع إن دلت على شيء فعلى أن التيار العوني برز باستمرار كعامل فرز لا جمع، من فرز الصف المسيحي في نهاية الحرب، إلى ضرب الإجماع الوطني على اتفاق الطائف، وصولاً إلى الانقلاب على الوحدة اللبنانية التي تجلت في 14 آذار 2005.
ثالثاً: إذا كان من الطبيعي أن يجري كل حزب مراجعة نقدية لأفكاره ويدخل بعض التعديلات الشكلية على أهدافه ويعيد رسم وتحديد أولوياته نتيجة تغيرات وتطورات طرأت واستجدت، إنما من غير الطبيعي أن ينقلب على مساره ومسيرته ويتبنى أهدافا ومنطلقات جديدة تتناقض كلياً مع ما سبقها، وبالتالي أن يتحوّل من مبشر بالديموقراطية والتغيير إلى متمسك بالديكتاتورية والتعتير، وهذا أقله ما تظهره منطلقاته في السياسة الخارجية التي حددها في الكتاب البرتقالي المذكور، حيث ورد حرفياً "ان شرقاً أوسط جديداً يتأسس حالياً، لقد جرت انتخابات حرة في العراق وعلى الأراضي الفلسطينية، وان رياح التغيير تهب على العالم العربي الغارق منذ أكثر من نصف قرن في نوع من السكون المرضي. لقد انهارت الاشتراكية العربية ولقد استفادت الايديولوجيات القاتلة، ونمت على حساب الديكتاتوريات التي شكلت بالنسبة لهم حلفاء ضد الديموقراطية والتطور".
ولعل السؤال الذي يُطرَح: كيف يمكن لعاقل أن يكون مع رياح التغيير التي هبّت على العالم العربي بعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام صدام حسين، ويكون ضد رياح التغيير التي هبّت على العالم العربي بعد أن انتفض الشعب العربي لكرامته وحريته وديموقراطيته؟ واستطراداً كيف يمكن لعاقل أن يؤيد توجهاً أميركياً بنشر الديموقراطية في العالم العربي وتعميمها، ويرفض توجهاً شعبياً عربياً وارادوياً بكسب الأنظمة الديكتاتورية ولعن الايديولوجيات القاتلة وإرساء الديموقراطية وترسيخ المفاهيم الإنسانية؟
إن الخلط بين الصراع السياسي والمفاهيم المؤسسة للدولة لهو أمر خطير للغاية ويدل على ان هذه الفئة من الناس لا تملك مشروعاً وطنياً، إنما كان مشروعها يتمحور حول أهدافها الذاتية والمصلحية الضيقة، وهذا ما يفسر انقلاباتها المتواصلة على خطها وثوابتها ومسارها خدمة فقط لأغراضها السلطوية، حيث تصبح السلطة هي الهدف وعلى حساب الوطن والشعب عوضاً عن ان تكون الوسيلة من أجل إعلاء مفاهيم الحرية والديموقراطية والسيادة والعدالة وقيام دولة طبيعية وحديثة ومتطورة تجسد تطلعات شعبها وآماله.
ثمة حقائق تاريخية لا يمكن لأحد القفز فوقها وتجاهلها، ومن بين هذه الحقائق ان ثورة الأرز فتحت الآفاق اللبنانية للحرية والديموقراطية، فلبنان ما قبل هذه الثورة غير لبنان ما بعدها. كما ان العالم العربي بعد ثورة التغيير الديموقراطية التي تجتاحه من المحيط إلى الخليج غير العالم العربي ما قبل هذه الثورات.
لقد تمكن "حزب الله" وعون من تجميد مفاعيل ثورة الأرز، على غرار قوى تسلطية اخرى في العالم العربي ما زالت تجاهد لإبقاء القديم على قدمه، ولكن عبثاً تحاول هذه القوى إيقاف عجلة التاريخ، وهي باتت اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما السقوط والزوال، أو مواكبة التحولات للانخراط في العالم العربي الجديد!!!
