#dfp #adsense

“المستقبل”: أصابع الـ”إي كولاي يا خيار” تتوعد اللبنانيين

حجم الخط

كتبت ماريا أبو أنطون حَرَش في "المستقبل":

سيطرت موجة من الهلع على المواطنين اللبنانيين خوفاً من إمكانية انتقال بكتيريا الـ "اي كولاي" إليهم، والتي انتشرت في إثنتي عشرة دولة أوروبية وأميركا وكندا محدثة 33 حالة وفاة وأكثر من 2500 اصابة، وكأن اللبناني كان ينقصه همّ إضافي في بلد مزدحم بالهموم ليسأل عمّا يأكل ويشرب، خصوصاً وأن تلوّث الخضار والفاكهة ومعها اللحوم هو السبب الرئيس في وجود هذه البكتيريا وهو واقع ليس ببعيد عن لبنان المهدّد دوماً بأمنه الغذائي نتيجة الممارسات الخاطئة عند بعض المزارعين الذين يستعملون مياه الصرف الصحي في أيام الشحّ لري مزروعاتهم او استعمال المبيدات الزراعية بطريقة عشوائية.

فبعيد شيوع خبر هذه البكتيريا التي قد تودي بحياة الإنسان بعد جفاف الجسم وانحلال الدم وضرب الكلى، امتنع كثيرون من اللبنانيين من تناول الخيار والبندورة والخس بانتظار الحل الذي استبقه وزير الزراعة حسين الحاج حسن بتدبير وقائي بإصدار القرار الرقم 525/1 ومنع بموجبه "استيراد الخضار من الدول الأوروبية كافة" و"حتى اشعار آخر" حفاظاً على الامن والسلامة العامتين". وفيما يعزو العلماء السبب الرئيس الى ريّ المزروعات بمياه الصرف الصحي، يؤكد مصدر مسؤول في الوزراة "ان مثل هذا الأمر لم يثبت في كشوفات الوزارة.

فكثيراً ما نسمع عن اعتماد بعض المزارعين مياه الصرف الصحي لري مزروعاتهم، وقد أصدرنا سلسلة من القرارات لإجراء كشف ميداني فجائي على المؤسسات الزراعية والصناعية المتعلّقة بالزراعة"، داعياً أصحاب المصانع والمؤسّسات الزراعية الى بدء تسجيل مؤسساتهم في أقرب مركز تابع للوزارة.

وبحسب رئيس مختبر كفرشيما التابع لوزارة الزراعة الدكتور سالم حيار "فان لا اصابات في لبنان ولا يجب على المزارع او المستهلك ان يخاف من استهلاك الخضار والفاكهة لأن الممارسات الزراعية هنا مختلفة كلياً عن اوروبا." وفي الوازاة يطمئن المدير العام لوزارة الصحة الدكتور وليد عمار الى خلو لبنان من اي اصابة، مؤكدا ان " الوزارة تعتمد نظام الترصّد مع كل المستشفيات حول حالات النزيف المعوي وقد أصدر تعميم يطالب الأطباء بإبلاغ الوزارة عن كل حالة نزيف تدخل المستشفى".

من جهته، يرى الاختصاصي في علم الجراثيم الدكتور جوزف حاتم "ان انتشار هذه البكتيريا الى انحسار وانتقالها الى لبنان أمر مستبعد"، لافتاً الى ان الإي كولاي موجودة أصلاً لكن البكتيريا المنتشرة اليوم في اوروبا جديدة ولم يعرف مصدرها بعد، لذلك فإن الوقاية واجب".

ضربت بكتيريا "اي كولاي" اوروبا وتفشت في أكثر من عشرة بلدان هناك مخلّفة اثنين وعشرين حالة وفيات في المانيا واحدة منها في السويد ولا زالت تحصد الإصابات التي وصلت الى الآن نحو 2153 إصابة بينها نحو 627 تسببت لهم بفشل كلوي.

هي بكتيريا وصفتها منظمة الصحة العالمية بسلالة "جديدة وعالية السمية" واظهرت تحاليل العلماء الالمان والصينيين لحمضها النووي انها تحوي عدّة جينات مقاومة للمضادات الحيوية وتتألف من نوعين "اي كولاي". ويعتبر اجتياحها اليوم الثالث من نوعه بتاريخ "الإي كولاي" الحديث واكثرها مسبّبة للوفاة. ففي العام 1996 حصدت موجة مماثلة في اليابان 9 آلاف إصابة وفي العام 2000 توفي سبعة اشخاص في كندا. وكالعادة انتشر الهلع في انحاء الدول الاخرى ومنع معظمها استيراد الخضار والفاكهة من اوروبا خصوصا منها الخيار الاسباني والبندورة والخس علما انه حتى الآن ما زال مصدر البكتيريا غير معروف.

الى ذلك يرجّح بعض العلماء ان الادوية المستعملة في تسميد الخضار واستعمال المياه المبتذلة في الري هي من الاسباب الاولى للبكتيريا.

لم يقتصر الهلع على الاوروبيين اذ انتقل ليصيب دول العالم ومنها لبنان، حيث باشرت ربات المنازل بالتدقيق في نوعية الفواكه والسؤال عن مصدرها وهن اللواتي لم يكن يضيعن فرصة لاقناع اولادهن بتناول الخضار حتى تأتي موجة الاكولاي لتنسف محاولاتهن. "رنا" ام لثلاثة اولاد ضاقت ذرعاً من كثرة مشاكل امن الغذاء خصوصا تلك المتعلقة بالخضار وما يحمله من مبيدات قد تتحول الى سموم هذا عدا عما يشاع عن ريها بمياه الصرف الصحي.

تقول "رنا" محادثة "جنان" على بسطة الخضار "كان ينقصنا تلوّث الخيار والبندورة والخس في أوروبا لنلغي جزءاً مهما ًمن الهرم الغذائي في طعامنا اليومي"، فترد الأخيرة باستهزاء "لقد اصبح لدى اللبنانيين مناعة تجاه التلوث الذي يحاصرهم من كل الأنحاء، فنحن منذ زمن لا نعلم ماذا نأكل وماذا نشرب في بلد لا رقابة فيه ولا تطبيق للقوانين فكيف اذاً بتطبيق قواعد النظافة والامن الغذائي؟".

في جولة قصيرة على الأسواق يلاحظ المتجوّل تراجعا ملحوظا منذ اسبوع في حجم عرض البندورة والخيار على الرغم من ان معظم السوق لا يحتوي خضارا مستوردة من اوروبا. وعن ذلك يقول جهاد وهو بائع خضار "ان المنتوجات الموجودة في السوق لبنانية في مجملها ومنها أردنية او مصرية او سورية لا أوروبية. نحن نحاول ان نشرح للمستهلكين ذلك لكن معظمهم لا يقتنع وبالتالي انخفض الاستهلاك خاصة شراء الخيار والبندورة والخس الافرنجي." ويتابع " بائع الخضار اللبناني ومثله المزارع لا يتحمّلان هكذا ازمات، ويجب ان يطمئن المواطنون الى ان لا خضار او فاكهة ملوثة عندنا لاسيما وانه تم منع استيراد هذه المنتوجات من اوروبا حتى تتوضّح الصورة ويُعرف مصدر التلوث."الدول الكبيرة لم تتحمل الخسائر فكيف الحال بمزارع او بائع يعمل لتحصيل قوته اليومي، فبمجرد اتهام الخيار الأسباني بالتلوث خسرت اسبانيا مايتي مليون يورو اسبوعياً تقريباً بسبب امتناع الدول الاخرى عن استيراد منتوجاتها وها هي اليوم تطالب المانيا بتعويض هذه الخسائر بعد تبرئة الاولى من التهمة.

ولكن من سيعوض على المزارعين اللبنانيين اذا لم يتم تصريف مزروعاتهم؟؟"

نظراً الى هول موجة البكتيريا القاتلة وعلى الرغم من تأكيد وزارة الزراعة عدم وجودها في لبنان توقف معظم المواطنين اللبنانيين عن شراء الخضار والفاكهة من باب الاحتياط. ويقول مصدر مسؤول في الوزارة انه "على الرغم من عدم معرفة مصدر هذه البكتيريا بعد في اوروبا فمن واجبات الدولة ان تأخذ تدابير احترازية لحماية المواطنين من خطر العدوى الى حين وضوح الصورة ومعرفة سبب العدوى". ويضيف "انه حتى ذلك الحين منع وزير الزراعة حسين الحاج حسن بموجب قرار رقمه 525/1 تاريخ 3 حزيران 2011 "استيراد الخضار من الدول الاوروبية كافة حفاظاً على الصحة والسلامة العامتين". ونصت المادة الاولى من القرار على ان" يمنع استيراد جميع انواع الخضار الطازجة بما فيها الفطر من الدول الاوروبية كافة وذلك اعتباراً من تاريخه وحتى اشعار آخر." من ناحية اخرى يشدّد المصدر على "ان الخضار والفاكهة في لبنان والمنتجة محلياً سالمة ويمكن للمواطنين استهلاكها" . وعن ري المزروعات بمياه الصرف الصحي يقول انه "لم تثبت بعد ذلك في كشوفات الوزارة، وطرق الري معروفة من قناة ري الليطاني ومصدرها سد القرعون او من الآبار الارتوازية او من مجاري الانهر".

ويضيف "اصدرت الوزارة سلسلة قرارات لاجراء كشف ميداني فجائي على المؤسسات الزراعية والصناعية المتعلقة بالزراعة وانتهت الاجراءات اللوجستية وقد تشكلت الفرق للبدء بالتطبيق".

من ناحية اخرى يطمئن الدكتور سالم حيار رئيس مختبر كفرشيما " انه وفي حال وجود عدوى في لبنان فان مصلحة الابحاث الزراعية في الفنار لديها المعدّات اللازمة للكشف على المنتوجات بعد اجراء تعديلات بسيطة عليها".

استولى موضوع E. coli على حديث الكبير والصغير والجميع يتساءل عن كيفية التعامل مع الموضوع فربة المنزل قررت عدم إدخال البندورة والخيار الى مطبخها والأولاد استغلوا الفرصة كحجة لعدم تناول السلطة والبعض لا زال ينتظر معطيات جديدة وتوضيحات شافية. وفي ظل هذه الأجواء، يؤكد المدير العام لوزارة الصحة العامة الدكتور وليد عمّار "ان وزارة الصحة تعتمد نظام الترصّد مع كل المستشفيات حول حالات النزيف المعوي، مشيراً إلى أننا أصدرنا تعميماً يطالب الأطباء والمستشفيات بإبلاغ الوزارة حول كل حالة تردهم من هذا النوع ".

ويشرح الاختصاصي في علم الجراثيم والرئيس السابق للمختبر المركزي التابع لوزارة الصحة الدكتور جوزيف حاتم "ان هذه البكتيريا موجودة في الجهاز الهضمي عند الإنسان والحيوان وفي التراب وهي متعدّدة الأنواع ومنها ما يتسبّب في إسهال قوي ويستطيع التطوّر بالسلالات ان يولد نوعا ممرضا ويسبب عوارض جانبية لأنها تفرز سموماً تؤثر في الكلى والقلب والدم فتسبب بنزيف في الأمعاء وإسهال قوي يجفف الجسم ويمكن ان يؤدي الى الموت".

ويضيف: "العدوى لا تنتقل من إنسان الى إنسان انما تنتقل بطريقة غير مباشرة عن طريق الاكل مثلاً، وهذه البكتيريا الجديدة محصورة في اوروبا خصوصاً المانيا ويبدو انها لن تنتشر لتصل الى لبنان". ويستدرك قائلاً " لكن كل شيء ممكن فالبكتيريا تمر من مكان الى آخر بدون فيزا لذلك فان الاحتياط واجب ولو انه لا ينفع احياناً." وينصح "بغسل الخضار والفاكهة جيداً وتطهيرها خصوصا التي لا علاقة بالارض كالفريز والخس..".

من جهته يؤكّد نقيب تجار الخضار والفاكهة بالجملة محمد القيسي "ان الخضار والفاكهة الموجودة في السوق اللبناني تأتي اكثريتها من سوريا والاردن ومصر، وقد بدات اليوم المواسم اللبنانية وهي تملأ الاسواق. وعادة لا يستورد من اوروبا سوى الفاكهة الآسيوية والخس الفرنجي والحشائش الغريبة".

أودت بكتيريا "إي كولاي" المعوية المميتة بحياة 17 شخصاً في ليلة واحدة في المانيا ووفاة واحدة في السويد وأمرضت أكثر من 2135 آخرين حتى اليوم، انتشرت في 12 بلداً في أوروبا بالإضافة إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة(3اصابات).

ولفتت منظمة الصحة العالمية إلى أن الإصابات حصلت في كل من ألمانيا والنمسا وتشيكيا والدنمارك وفرنسا وهولندا والنروج وإسبانيا والسويد وسويسرا وبريطانيا وأميركا، وأن كل الحالات تعود لأشخاص في شمال ألمانيا أو زاروا في الفترة الأخيرة هذه المنطقة أو كانوا على اتصال بأشخاص من هناك. كما أعلن المعهد الصيني لعلوم الجينوميات في بكين – والذي يبعد عن أوروبا قرابة سبعة آلاف كيلومتر – وهو أضخم مركز من نوعه في العالم لرصد تسلسل الحمض النووي الريبوزي المنقوص الأوكسجين (دنا) في الكائنات الحية أن البكتيريا المعوية (ايكولاي) في أوروبا مرجعها "سلالة بكتيرية جديدة ذات قدرات عالية على العدوى والسمية".

وتعرف باسم سلالة شيجا المفرزة للسموم وبمقدورها الالتصاق بجدران أمعاء المرضى وإفراز سمومها، ما يتسبب في الإسهال والقيء، أما في الحالات الحادة فإنها تتسبب في تحلّل مكونات الدم وانطلاق البولينا علاوة على مهاجمة الكلى، ما يفضي الى الإصابة بالغيبوبة واعتلال وظائف أعضاء الجسم وربما السكتة الدماغية.

ولا يزال مصدر انتشار هذه العدوى غير معروف على وجه الدقة حتى الآن، إلاّ أن العلماء يقولون إن من المرجح أن تكون العدوى قد نشأت من خضروات ملوثة في ألمانيا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل