#adsense

الإستحقاقات العربية والدولية أكبر من قدرة التشكيلة المطروحة لمواجهتها

حجم الخط

التفاؤل الزائد محاولة لإظهار الجدّية بتشكيل الحكومة الجديدة أم لشدشدة عصب الأكثرية المتراخي؟
الإستحقاقات العربية والدولية أكبر من قدرة التشكيلة المطروحة لمواجهتها
"مكابرة حلفاء النظام السوري – الإيراني بتجاهل المتغيّرات وعدم اعترافهم بفشلهم بتشكيل الحكومة يعنيان تشبثهم بمصادرة الحالة السياسية في لبنان"

لا شك أن جرعة التفاؤل الزائدة التي روّج لها معظم زعماء الأكثرية الجديدة في اتجاه تشكيل الحكومة الجديدة، بعد اجتماعهم المبرمج في المجلس النيابي، للتعويض عن فشل رئيس المجلس النيابي نبيه بري بعقد جلسة المناقشة النيابية العامة، والقيام بعد ذلك بحركة مشاورات متواصلة ومكثفة شملت كل المعنيين بعملية التأليف، أعطت انطباعاً حذراً لدى الرأي العام بإمكانية تشكيل الحكومة العتيدة استناداً إلى هذه الحركة المتجددة التي أخرجت عملية التأليف من بوتقة الجمود التي دخلت فيها في الآونة الأخيرة، ولكن مع استمرار المخاوف من أن يكون ما حصل من تحركات سياسية بهذا الخصوص، لا يعدو كونه إلا محاولة لإعادة شدّ عصب الأكثرية الجديدة بعد حالة التفسخ التي أصابتها من جراء التنافس على الحصص والحقائب الوزارية وحصرية القرار السياسي في الحكومة الجديدة والظهور بمظهر استمرار الحالة السياسية التي أفرزها النظام السوري بعد إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري نهاية العام الماضي، بالرغم من المستجدات المتسارعة التي أوهنت مرتكزات هذه الحالة وبدّلت كثيراً من عناصر قوّتها خلافاً لكل ما يروّج له بعض زعماء الأكثرية ومنظّريها، في حين أن الوقائع الاقليمية والدولية المتتالية تكاد تطيح بالوقائع السياسية السائدة في السابق بالكامل إذا ما استمرت الأحداث الجارية على وتيرتها الحالية في المنطقة العربية·

فمكابرة حلفاء النظام السوري – الايراني على تجاهل المتغيّرات الأخيرة الناجمة عن ظاهرة تمدد الثورات العربية لتشمل سوريا منذ أشهر وعدم اعترافهم بفشلهم بتشكيل الحكومة الجديدة من جراء ذلك، تعني ضمناً تشبثهم بمصادرة الحالة السياسية في لبنان مستفيدين من سطوة سلاح <حزب الله> غير الشرعي في المعادلة السياسية الداخلية ومتجاوزين كل مرتكزات النظام الديمقراطي ورغبات معظم اللبنانيين لإتاحة الفرصة أمام اللعبة السياسية الداخلية لتأخذ مجراها بحرية وعفوية بعيداً عن ظاهرة الاستقواء بالسلاح، وتجديد الحياة السياسية من خلال اطلاق دينامية بديلة تأخذ بآراء وتوجهات كل المكونات السياسية في لبنان، وليس الاستمرار بتجريب الفشل الذي لم ينجم عنه تشكيل حكومة جديدة بالرغم من المدة الطويلة الممنوحة له والفرص العديدة التي أتيحت أمام تجمع الأكثرية الجديدة ليثبت قدرته على تولي السلطة وإدارة البلاد·

ومع استمرار تشبث تجمع الاكثرية الجديدة في الإمساك بالواقع السياسي، يعني أن محاولاته المتجددة لتشكيل الحكومة العتيدة قد تسفر عن التوصل إلى اتفاق لتشكيل حكومة جديدة تضم وزراء ممثلين عن هذه الاكثرية في وقت لاحق، وهو ما يعني ضمناً ان الحكومة المرتقبة، في حال تم تشكيلها إستناداً للمقاييس المنشورة في وسائل الاعلام، ستكون حكومة اللون الواحد بكل المعايير انطلاقاً من التحالفات المنبثقة عنها وضمن تحالف الاكثرية الجديدة، بالرغم من محاولات التزاكي المبذولة، لاعطائها مواصفات وتسميات مغايرة وتحديداً من قبل رئيسها وبعض الاوصياء عليها لتبديد صورتها الحقيقية وتبعيتها الاقليمية المعروفة، بينما ستركز التساؤلات المطروحة على المهام الملقاة على عاتق هذه الحكومة الجديدة والتحديات التي ستواجهها أولاً بأول في ممارسة مسؤولياتها في ظل الظروف الصعبة والمعقدة التي يمر بها لبنان حالياً والاوضاع المتدحرجة نحو الأسوأ في المنطقة العربية المجاورة للبنان في الوقت الحاضر·

ولا شك ان اولى المهمات التي ستواجهها حكومة الاكثرية الجديدة المفروضة قسراً على اللبنانيين، تجاوز حالة الانقسام السياسي الحاد التي تعصف بالواقع اللبناني عموماً منذ اسقاط حكومة الوحدة الوطنية بقرار سوري ايراني نهاية العام الماضي، بعدما إنعكس هذا الواقع سلباً على مجمل الحالة السياسية في البلاد، وزاد من تباعد اللبنانيين في ما بينهم، وأدى الى تفاعلات ضارة على وضعية البلاد عموماً والحركة الاقتصادية كذلك، وضرب مفاصل الدولة ومؤسساتها واصابها بالتفكك والشلل وعدم القدرة على تأمين حاجات الناس ومتطلباتهم الضرورية، كما هو حاصل في اكثر من ادارة ومؤسسة حكومية·

والمهمة الثانية والضرورية هي توفير الغطاء العربي المطلوب واللازم للحكومة العتيدة، لتوفير مستلزمات تواصل لبنان مع محيطه العربي، وهي مهمة صعبة وليست سهلة على الاطلاق، لان الحكومة الحالية ستكون في حالة تشكيلها نتاج التحالف السوري الايراني كما هو معروف للجميع، بعدما اطاح النظام السوري بتفاهم الدوحة الذي أمَّن التغطية العربية المطلوبة لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي إنبثقت عن الانتخابات النيابية الاخيرة برئاسة سعد الحريري، ولم يعد ممكناً احياء مرتكزات التفاهم المذكور في الوقت الحاضر بعد التداعيات السلبية التي اصابت العلاقات العربية وتحديداً الخليجية مع الجانب السوري من جراء اطاحته بهذا التفاهم من جانب واحد وتجاهله لكل النصائح العربية والدعوات التي تدعم استمرار الواقع السياسي القائم في لبنان استناداً لتفاهم الدوحة·

ولا تقل المهمة الثالثة للحكومة المرتقبة اهمية عن المهمتين الاوليين، وهي مواجهة تداعيات الاحداث والتظاهرات المستمرة في سوريا على لبنان ومنع تأثيرها السلبي قدر المستطاع، لا سيما في ظل ما يتردد عن تحويل ما يجري في الاراضي السورية على مجلس الامن الدولي وما يمكن ان ينجم عن هذه الخطوة من تداعيات قد تصيب لبنان بشكل أو بآخر، في حال فرضت اجراءات عقابية او حظر اقتصادي على النظام في سوريا كما حصل في ليبيا وغيرها، وهناك مهمة تحييد لبنان عن ازدياد حدّة الصراع العربي وتحديداً الخليجي مع إيران، لا سيما بعد تفاعل هذا الصراع واستمراره في أكثر من منطقة ودولة عربية، وهي مهمة صعبة خصوصاً في ظلّ وجود نفوذ لكلا الطرفين في لبنان

· وتبقى المهمة الاصعب للحكومة المرتقبة خارجياً، وهي مهمة توفير مستلزمات التواصل المرن مع المجتمع الدولي وتحديداً مع الولايات المتحدة الاميركية والغرب عموماً والاستحواذ على ثقة هذه الدول مجتمعة، وهي مهمة لا تقل صعوبة عن المهمات الاخرى التي تواجه الحكومة الجديدة في ظل الاوضاع المتردية اقليمياً وعربياً وعدم القدرة على تبديد الصبغة السورية الايرانية عن مكوناتها السياسية ومرجعية قرارها السياسي وكيفية تعاطيها مع الملفات المعقدة وخصوصاً المحكمة الدولية وقرارات مجلس الامن الدولي في ما يتعلق بسوريا وغيرها·

أما المهمات الداخلية وخصوصاً معالجة الاوضاع الاقتصادية واعادة شدشدة مفاصيل الدولة والادارات العامة واطلاق حركة التشكيلات على إختلافها، فهي مهمات معقدة وليست سهلة على الاطلاق وستواجه الحكومة العتيدة منذ البداية وهي بالطبع لن تكون خارج الانقسام والاصطفافات السياسية القائمة بل ستكون في صلب تجاذباتها القائمة حالياً·

وفي ضوء الوقائع السائدة محلياً وإقليمياً، فإن المهمات الماثلة حالياً اكبر من قدرة الحكومة التي يروّج لتشكيلها حلفاء سوريا وايران في هذه المرحلة·

ولذلك، يرجح استمرار اطالة أمد التأليف لفترة أطول والتذرع بهذا المطلب او بتلك العقدة كما حصل من قبل للتهرب من استحقاق التأليف في انتظار مخرج ما أو ظرف مؤاتٍ لتبديل المشهد السياسي، في حين ان الاصرار على اطلاق العنان للتشكيلة الحكومية على المنوال المطروح يعني باختصار تعريضها للفشل المسبق ووضع لبنان في مهب المجهول·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل