كتبت روزانا بو منصف في "النهار":
لم تأخذ المحاولة المتقدمة الجارية لتأليف الحكومة والتي انطلقت علناً من "اللقاء الثماني" الذي عقد في مجلس النواب الاربعاء الماضي، بُعدها الجدي الا بعد زيارة رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط والوزير غازي العريضي لدمشق ولقائهما الرئيس السوري بشار الاسد الذي استعجل اللبنانيين تأليف الحكومة. وعلى رغم ان هامش الشكوك في امكان ولادة الحكومة مطلع الاسبوع المقبل ظل كبيراً سواء لدى اوساط في قوى الاكثرية الجديدة نفسها كما لدى اوساط المعارضة الجديدة، فإن مصادر واسعة الاطلاع بدأت تتعامل مع هذا الاحتمال كافتراض جدي اقله في ضوء المعطيات التي ابرزتها تطورات الاسبوع الاخير داخليا وسوريا وحتى منتصف الاسبوع المقبل.
فعلى المستوى الداخلي تقول هذه المصادر ان اي تطور باستثناء "الهجوم الى الامام" ما كان لينقذ قوى الاكثرية من استحقاق انفراط عقدها امام الضربة القوية التي منيت بها صورتها تحت وطأة "دعوة متعجلة ومتسرعة" وجهها رئيس مجلس النواب نبيه بري الى عقد جلسة عامة لمجلس النواب، فاذا بها ترتد على فريق الحلفاء وتكشف عمق التباينات والتناقضات التي تراكمت في ما بينهم بفعل التأخر في تأليف الحكومة من جهة والغموض الذي يكتنف وضع هذا الفريق بازاء التطورات المتسارعة في سوريا من جهة اخرى باعتبار ان الاكثرية تتشكل واقعياً من حلفاء دمشق.
اما على المستوى السوري، فان المصادر رأت في الاطلالة المفاجئة للأسد على المشهد اللبناني وعلى نحو اثار الاستغراب، دلالةً على اشتداد حاجته الى رافعة معنوية توحي باستمرار امتلاكه اوراقاً خارجية تؤثر على معركته مع المجتمع الدولي، بمعزل عن نتائج هذه المحاولة وما اذا كانت ستأتي لمصلحته ام سترتد عليه بعواقب سلبية اضافية. ففي ظل ما يقرأه البعض في كلام بعض المتصلين بسوريا عن استدراج عروض من أجل النأي عن حكومة مواجهة في اتجاه حكومة أكثر اتساعاً من حيث التمثيل، فإن هذا الأمر لا يلغي الدفع بحكومة مواجهة تحت عنوان عدم قدرة دمشق على التهاون بما تملك من اوراق داعمة لها كليا ومن دون اي مواربة ويتعين عليها ان تستخدمها في الظروف الحالية الضاغطة، على ذمة ما رشح مبدئياً عن فحوى اللقاء الذي عقده جنبلاط في سوريا .
وتبني المصادر نفسها على هذين العاملين امكان الاقتراب جدياً أكثر من أي وقت مضى من تأليف الحكومة واصدار مراسيمها لتقول ان ذلك يفتح الباب واسعاً امام رزمة مختلفة وجديدة من الاستحقاقات التي ستواكب ولادة الحكومة المفترضة في موعد وشيك. ويأتي في مقدم هذه الاستحقاقات صوغ "هوية" سياسية للحكومة التي سترسم حولها دائرة كبيرة من الداخل والخارج من منطلق التوقيت المعتمد لولادتها، اذ ان الاندفاع لتأليفها بعد زيارة النائب جنبلاط لدمشق وبالقوى التي ستتشكل منها لن يفضي إلاّ الى عنوان واحد لها هو انها ولدت بدفع سوري في حين ستغيب كل العوامل الداخلية الاخرى عن حدث الولادة. وهو استحقاق ينطوي في رأي المصادر نفسها على محاذير هائلة ما كانت لتكون بهذا الحجم لو ان الحكومة امكن تأليفها قبل انفجار الازمة في سوريا في 15 آذار الماضي.
وتعتقد هذه المصادر في هذا السياق ان سوريا، كما الاكثرية الموالية لها في مجملها، ارتكبتا خطأ كبيرا في الحسابات آنذاك او انهما ارتبكتا على نحو كبير لأنهما فوتتا فرصة التأليف في تلك الحقبة، وبات على الاكثرية حصراً ان تواجه الثمن الذي ستتكبده خارجيا بصورة خاصة من جراء ظهور حكومتها كأنها احدى وسائل المواجهة بين النظام السوري والمجتمع الدولي.
ولذا تقول هذه المصادر ان تركيبة الحكومة لن تكون وحدها العامل الذي سيجري التركيز عليه لمعرفة كيف سيكون التعامل الدولي معها، بل ستتجه الانظار والاهتمامات فوراً الى مشروع الحكومة وبيانها الوزاري الذي سيرسم مبدئيا الاستحقاق الاقسى والاقوى امامها وخصوصاً "تجميع" تصورات ومشاريع متناقضة لقواها بإزاء الالتزامات الدولية للبنان وموضوع المحكمة الدولية ناهيك عن الخلفية الاهم المتمثلة بطبيعة مشروع الحكومة لتمرير المرحلة الانتقالية الأشد خطورة في موازاة الحدث السوري. وبمعنى اوضح ترى هذه المصادر انه سيتعين على الحكومة الجديدة ان تواجه كلفة طارئة اضافية لم تكن ماثلة بقوة على قواها في بداية حقبة التكليف وهي مدى قدرتها على ربط نفسها او التخفيف عن نفسها عبء اخذها ومعها لبنان بجريرة المواجهة المرشحة للتصعيد بين النظام السوري والمجتمع الدولي.
ومن هذا المنطلق، تلفت المصادر الواسعة الاطلاع الى ان الفرصة الممكنة المتاحة امام قوى الاكثرية لتحجيم كلفة هذا الاستحقاق تتمثل في عامل اساسي وحيد هو قدرتها على اقناع المجتمع الدولي باعطائها فرصة سماح معقولة للحد من امكان انعكاس التطورات العربية والاقليمية على لبنان واتباع سياسات فعلية تقلص الانطباع السائد انها حكومة اللون الواحد. وهذا الامر بدا ماثلا بقوة طوال الاشهر الاربعة الماضية في التناقضات بين قوى 8 آذار والقوى "الوسطية". ولولا ذلك لما سلمت قوى 8 آذار لحلفائها بالثلث زائداً واحداً في تركيبة الحكومة الموعودة. ولكن ذلك لن يكفي في اعتقاد المصادر ما لم تتبع مرونة بأوسع نطاق ممكن في اعلان برنامج الحكومة وبيانها الوزاري وفي سياستها المرتقبة لناحية تقليص الهواجس من "منحى انقلابي" للحكومة داخليا وخارجيا من شأنه جعل لبنان يدفع اثمانا باهظة لن يقوى على تحملها اذا اخذ بجريرة المواجهة بين سوريا والمجتمع الدولي.
ومع ان الوقت لا يزال باكراً نسبياً لاثارة هذا الاستحقاق في انتظار معرفة تركيبة الحكومة اولا، فان المصادر تقول ان ولادة الحكومة الاسبوع المقبل ستعيد لبنان بسرعة الى واجهة الاهتمامات الدولية ولو ان هذه تتركز الآن على بلدان الازمات والثورات المتفجرة. فالمجتمع الدولي سيركز أنظاره على الحكومة على الاقل من موقع نظرته الى ارتباط هذا الحدث بالازمة السورية وما اذا كانت الحكومة ستأتي في معادلة لعب الاوراق وتوظيفها ام انها ستكون حكومة لتمرير المرحلة الانتقالية بالحد الادنى الممكن من الخسائر والمضاعفات. وبذلك لن يكون تشكيل الحكومة سوى بداية لاختبار صعب ومحفوف بالمحاذير في انتظار معرفة ما اعدته او ستعده قوى الاكثرية من برامج وسياسات لمواجهة المرحلة المقبلة المفتوحة على شتى انواع التحديات في الداخل والخارج.