مع قرب طي سنة 2011 نصفها الأول، لا بد من وقفة تفكير وتأمل في ما تحقق حتى الآن في العالم العربي واستشراف الاتجاه الذي قد تسلكه المنطقة في الاشهر المقبلة من هذه السنة التاريخية.
فبدءاً من الانتفاضة العفوية في تونس التي أطاحت زين العابدين بن علي، ثم الثورة المصرية القوية الزخم التي أدت الى تنحي حسني مبارك، استطاع العرب ان يستحوذوا على اهتمام العالم بأسره، وعلت في صفوفهم موجة من الاصوات الجديدة التي لا تخشى المطالبة بالاصلاح والتغيير.
في المقابل، محاولات فاشلة كتلك التي قادها حلف شمال الأطلسي لاطاحة معمر القذافي والتي لم تنجح على رغم كل التمويل والدعم اللذين وفرهما الغرب، الى محاولات مماثلة تقريبا هدفها اخراج الرئيس اليمني علي عبدالله صالح من البلاد ومن السلطة، تطرح علامات استفهام حول التدخل الغربي ومدى فاعليته في هذه الثورات العربية.
وبين هذه وتلك، الوضع الخطير والمتفجر في البحرين التي اعتملت فيها مقومات الثورة، لكن بلدان الخليج النافذة طمستها وأشاح الغرب بنظره عنها، مما اثار مخاوف من ازدواجية المعايير، وقضى على الآمال في تحقيق تغيير حقيقي وشامل.
وقد سجلت مفاجآت مثل المطالب الاصلاحية في سوريا التي تحولت انتفاضة عندما طارد نظام الاسد المتظاهرين مستخدما كل عديده وعتاده، ومنع الإعلام من نقل حقيقة ما يجري. في الأردن، سارعت الحكومة الى احتواء الموجة التي طالبت بالاصلاح. وفي السعودية تحلّت النساء اللواتي يطالبن فقط بأن يسمح لهن بقيادة السيارات بالشجاعة، فتحدّين السلطات ودخلن السجن دفاعا عن هذا الحق الأساسي. وابدى عدد من المدوّنين الشجعان استياءهم في الامارات العربية المتحدة، فسارعت السلطات الى استضافتهم في السجون كما جرت العادة في عالمنا العربي.
يقودنا هذا كله الى الحقائق الآتية عن الربيع العربي 2011:
يتوق المواطنون العرب الى التغيير وهم مستعدون لدفع الاثمان لتحقيقه.
القادة العرب لا يريدون التغيير وهم مستعدون لوقف التقدم العربي أيا يكن الثمن.
الدول الغربية تسعى الى تحقيق مصالحها الخاصة ولن يردعها شيء في سبيل حماية هذه المصالح، بدءا من الدفاع عن زعماء عرب فاسدين يخدمون اجنداتها وصولا الى الانقلاب عليهم عندما يخسرون السلطة.
اما التهديد القديم المتمثل في الخوف من نشوء هلال شيعي في المنطقة، فقد عاد ليقض مضاجع الزعماء العرب السنة اكثر من اي وقت مضى، ويشاطر الغرب هؤلاء مخاوفهم. فكما اظهرت احداث البحرين، من شأن اي تحرك شيعي ان يلقى صدى قويا، فيشيح الجميع بنظرهم عنه املا في الا ينتبه احد الى ما يجري.
تبقى سوريا، والسلطة الفلسطينية التي توحدت في الآونة الاخيرة، عاملين متحركين اساسيين، ويرجح ان تشهدا تطورات مهمة في الاشهر المقبلة. فيما يزال على مصر وتونس ان تثبتا انهما تملكان خطة للمستقبل وتقدما نموذجا للديموقراطية في المنطقة. وعلى اليمن ان تحذو حذوهما. ومثلها ليبيا المقبلة على التغيير نفسه.
ولكن، اذا بقي الديكتاتوريون في مناصبهم مدة طويلة، يتعب المواطنون الثائرون، ويسأم المجتمع الدولي غير المتيقظ كثيراً ويبدأ بالبحث عن الخبر المثير التالي.
لا شك في ان الثورات الحقيقية ستستمر وستقترب اكثر من الهدف قد يستغرق بعضها سنوات، وقد يحتاج بعضها الآخر الى لحظة مؤاتية. لكن ثمة امراً اكيداً: بحسب الوتيرة التي تسير بها الامور، يبدو ان الديكتاتوريين يستعيدون سلطاتهم القديمة، والناس يعودون الى استجداء حقوقهم عوض المطالبة بها ونيلها. والأسوأ هو انهم يبدون في حال عوز ويسعون في حالات كثيرة الى الحصول على مساعدة من الغرب للتخلص من ديكتاتوريات يرزحون تحت وطأتها. وهو ما يمكن ان يؤدي بهم مجددا الى كارثة.
