#dfp #adsense

“السفير”: هل يمكن لحكومة مستقيلة التجديد لحاكم مصرف لبنان؟

حجم الخط

كتب محفوظ سكينة في صحيفة "السفير": مع اقتراب نهاية ولاية حاكم مصرف لبنان في أواخر تموز 2011، تتداول بعض الأوساط في اقتراح يرمي إلى التجديد للحاكم، عن طريق مرسوم "جوال"، أو قرار يتخذه مجلس الوزراء، ويصدره بالتالي بصيغة مرسوم. فهل هذا الأمر جائز قانوناً في ظل حكومة مستقيلة؟

إن الحاكم، يعين لست سنوات بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية. كما يمكن تجديد ولايته مرة أو مرات عدة وفقاً للمادة 18 من قانون النقد والتسليف الصادر عام 1963 وتعديلاته.

وبمقتضى هذا النص، فإن رئيس الجمهورية هو صاحب الصلاحية في تعيين الحاكم أو التجديد له، باعتبار أن المرسوم، هو العمل القانوني الصادر عنه، ويوقع على المرسوم، بالإضافة إلى رئيس الجمهورية كل من رئيس الحكومة والوزير أو الوزراء المختصون (المادة 54). وهذا الوضع ينسجم مع المادة 53 القديمة قبل تعديلها عام 1990، حيث كانت تولي رئيس الجمهورية صلاحية تعيين الموظفين.

وان كلمة «يتخذ» الواردة في النص، لا تعني موافقة مجلس الوزراء على التعيين، بل مجرد إطلاع المجلس على الموضوع وإبداء الرأي فقط، إذ يتوجب صدور المرسوم في كل الأحوال، حسب ما استقر عليه، اجتهاد مجلس الشورى. (قرار رقم 515 تاريخ 17-/4/64، مجلس القضايا، م. 1964 م.1. ص 156).

إلا أنه، ومع التعديل الدستوري الأخير، لم يعد رئيس الجمهورية هو صاحب الصلاحية في تعيين الموظفين، بل أصبح مجلس الوزراء، من يملك تلك الصلاحية، استناداً إلى المادة 65 حيث جاء فيها ما يأتي:
«تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء، ومن الصلاحيات التي يمارسها تعيين موظفي الدولة (الفقرة 3) ولا سيما موظفي الفئة الأولى وما يعادلها (الفقرة 5).

إن تعيين موظفي الفئة الأولى، أصبح من صلاحيات مجلس الوزراء، ويتم ذلك عن طريق قرار يتخذه المجلس بغالبية ثلثي أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وهذا القرار هو نافذ بحد ذاته حسب اجتهاد مجلس الشورى الذي أكد أن قرارات مجلس الوزراء نافذة بعد انقضاء المهلة المحددة في الفقرة 2 من المادة 56 وليست بحاجة بعدها لمراسيم لنفاذها (قرار رقم 459 تاريخ 16/4/98، شركة برمورمان/ الدولة، مجلة القضاء الإداري – العدد الثالث عشر، المجلد 432- 433- 434. قرار رقم 359 تاريخ 29/3/2001، شركة الترابة اللبنانية/ الدولة الخ…).

إن حاكم مصرف لبنان، يعتبر من كبار موظفي الفئة الأولى، وتعيينه، أصبح يحتاج إلى قرار يتخذه مجلس الوزراء بغالبية الثلثين.

وفي ما يتعلق بالحكومة المستقيلة، فإن العرف جرى في لبنان، على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليفها "بتصريف الأعمال العادية" إلى حين تشكيل حكومة جديدة، وذلك تجنباً للأخطار والمحاذير التي تنشأ عن الفراغ في الحكم. وقد أصبح هذا العرف مبدأ أصيلاً من مبادئ القانون العام الواجب التطبيق في الحالات التي تفقد فيها الحكومة كيانها المشروع.

وفي تحديد نطاق الأعمال العادية، اعتبر العلم والاجتهاد في لبنان وفرنسا، أنه يجب التفريق بين الأعمال العادية والأعمال التصرفية بين العادي منها والاستثنائي.

وتنحصر الأعمال العادية مبدئياً في الأعمال الإدارية، وهي الأعمال اليومية التي يعود إلى الهيئات إتمامها، وتصريف الأعمال الفردية التي لا يمارس عليها الوزراء سوى إشراف محدود. في حين ترمي الأعمال التصرفية إلى إحداث أعباء جديدة أو التصرف باعتمادات هامة أو إدخال تغيير جوهري على سير المصالح العامة وفي أوضاع البلاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخ…

وهذه الأعمال التصرفية تخرج بطبيعتها عن نطاق الأعمال العادية والتي لا يجوز لحكومة مستقيلة من حيث المبدأ القيام بها، باستثناء تدابير الضرورة التي تفرضها ظروف استثنائية تتعلق بالنظام العام وأمن الدولة الخارجي، وكذلك الأعمال التي يجب إجراؤها في مهل محددة في القوانين تحت طائلة السقوط أو الإبطال.

وفي هذه الحالات، تخضع تدابير الحكومة المستقيلة وتقدير ظروف اتخاذها إلى رقابة القضاء الإداري بسبب فقدان الرقابة البرلمانية وانتفاء المسؤولية الوزارية (م.ش. قرار رقم 614 تاريخ 17/12/1969، راشد، الدولة م.1. 1970 ص. 3- قرار رقم 341 تاريخ 19/11/1979، ياغي،/ الدولة، غير منشور).

وبالإضافة إلى ما تقدّم، جاءت المادة 64 (تعديل 1990)، وحددت صلاحيات الحكومة المستقيلة على الوجه التالي:

"… ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال".
إن تصريف الأعمال، أصبح محصوراً في نطاق ضيق، ويكاد يقتصر على الأعمال الإدارية اليومية، في حدها الأدنى، وحتى هذه الأعمال، هل تستطيع الحكومة المستقيلة القيام بها؟

إن الحكومة في لبنان، أصبحت بمقتضى المادة 65 هي التي تتولى وحدها السلطة الإجرائية، وهذه السلطة كما هو متعارف عليه، تشمل جميع الأعمال العادية والتصرفية. وان القيام بالأعمال العادية ذات الطابع الإداري يستوجب دستورياً اجتماع الحكومة، ومجرد الاجتماع بصيغة مجلس وزراء يخرج عن نطاق تصريف الأعمال. وهذا الأمر يعني أن الحكومة المستقيلة. لا يمكنها القيام بأي عمل على الإطلاق يدخل في صلاحيات مجلس الوزراء، باستثناء الأعمال التي تفرضها الظروف الاستثنائية.

ولم يبقَ في تقديرنا، من تصريف الأعمال، إلا الأعمال اليومية التي يقوم بها الوزراء المستقيلون.

وفي ما يتعلق بالعمل الرامي إلى التجديد للحاكم، فإنه يعتبر من الأعمال التصرفية والهامة، وهو يدخل، بصفته من موظفي الفئة الأولى في عداد المواضيع 14 الأساسية المنصوص عنها في المادة 65، التي يتطلب إقرارها في مجلس الوزراء موافقة غالبية الثلثين من عدد أعضاء الحكومة.

إن التجديد للحاكم يتطلب إذن قراراً من مجلس الوزراء بغالبية الثلثين، وهذا القرار لا يمكن اتخاذه إلا بعد المناقشة والتداول، في جلسة منعقدة حسب الأصول المنصوص عنها في المادة 65.

ويتعذر بالتالي، على الحكومة المستقيلة التجديد للحاكم، باعتبار أنها لا يمكنها أصلاً الانعقاد بصيغة مجلس وزراء.

إلا أنه في الظروف الاستثنائية، يمكن للحكومة المستقيلة أن تجتمع وتتخذ قراراً بالتجديد للحاكم. إنما السؤال، هل نحن فعلاً أمام ظروف استئنائية؟

تقوم نظرية الظروف الاستثنائية، حسب العلامة الفرنسي Hauriou على "الدفاع المشروع عن الدولة" (légitime defensede l´Etat). وهي منشئة حسب مفوض الحكومة الفرنسي Léomard، لصلاحية جديدة للسلطة الإدارية.

إن الاجتهاد الفرنسي يعتبر أن التقيّد بالقواعد القانونية التي ترعى الأعمال الإدارية، لا يمكن العمل بها إلا في الأوقات العادية، وتطبيقها في مرحلة الظروف الاستثنائية سيؤدي إلى شلل أعمال السلطات الإدارية أو إلى حملها على التحرك بخلاف أهداف المصلحة العامة التي تشكل أساس العمل الإداري.

وتعتبر ظروفاً استثنائية حسب الاجتهاد الفرنسي! حالات الحرب – ظروف الحرب – زلزال – فيضانات – تمرّد مسلح الخ…

ومن مفاعيل نظرية الظروف الاستثنائية، أنها تجعل شرعية، الأعمال الإدارية التي تكون غير شرعية في الأوقات العادية. وهي تغطي، من حيث المبدأ، العيوب المتعلقة بالصلاحية، وبالشكل والإجراءات، كما يمكن أن تغطي مخالفة لقاعدة قانونية.
(Voir- Thaité de cont. Adm. AuBy et DRAGO- 3éme Ed. Tome ∏- 1984 1229.P.34 ETs) .no
وفي لبنان، اعتبر مجلس الشورى، أنه في حال حدوث ظروف استثنائية، تتحرر السلطة من وجوب احترام الأصول الجوهرية التي تنص عليها القوانين والأنظمة، وحتى من وجوب احترام الحريات العامة التي يكرّسها القانون، وتجيز للإدارة اتخاذ التدابير الكفيلة بمواجهتها والتي تفرضها المصلحة العامة والأمن العام.

ويشترط أن تكون تلك التدابير محصورة في الظرف الذي أملاها وضمن إطار مواجهته (م.ش. قرار رقم 101 تاريخ 27/1/67 زخور/ الدولة م.1.1967 ص 102- قرار رقم 158 تاريخ 14/2/1967، عبد المسيح/ الدولة م.1.1967 ص 122.

كما أن الاجتهاد اللبناني اعتبر أنه لا يجوز التذرع بالظروف الاستثنائية عندما يكون المشرع قد نظم الحالة بنص واضح، كما حصل في المادة 32 من المرسوم الاشتراعي رقم 139/59 (م.ش.قرار رقم 245 تاريخ 17/3/75، غير منشور).

يمكن القول، إن الظروف الاستثنائية، تتحقق عند حصول أحداث مادية غير عادية لا يمكن مواجهتها إلا بتدابير استثنائية.

وبالعودة إلى الحاكم الحالي، رياض سلامة، الذي لعب وما يزال دوراً بارزاً في الحفاظ على الاستقرار النقدي وسلامة القطاع المصرفي، منذ العام 1993 ولغاية الآن، إلا أن هذا الأمر الذي له طابع شخصي، وبالرغم من أهميته، لا يشكل بالمعنى القانوني، وبالنظر لما تقدّم، ظرفاً استثنائياً، يبرر توسيع صلاحيات الحكومة المستقيلة. في المقابل، فانه يشكل عاملاً أساسياً وجوهرياً للتجديد له أو إعادة تعيينه، من قبل حكومة تتمتع بكامل صلاحياتها.

وفضلاً عما تقدم، فإن المشرع، وللحؤول دون حصول فراغ، قد نظم حالة الشغور في حال انتهاء ولاية الحاكم، حين أناط بالنائب الأول، مهام الحاكم لحين تعيين حاكم جديد (المادة 25 من قانون النقد والتسليف)، ولهذا السبب أيضاً، لا يمكن التذرع بالظروف الاستثنائية. وأخيراً نسأل، إذا كانت الظروف الاستثنائية من شأنها أن تغطي مخالفة لنص دستوري صريح، المادة 64- الفقرة2؟ وينتج عما تقدم أن الظروف الاستثنائية غير متوفرة، ويتعذر بالتالي على الحكومة المستقيلة التجديد للحاكم.

أما اقتراح المرسوم الجوال وإن وقع عليه 20 وزيراً، فهو اقتراح غير جدي ولا يمكن الاعتداد به، لأن مجلس الوزراء أصبح، بعد العام 1990، مؤسسة دستورية مستقلة قائمة بذاتها، وهو الذي يتولى السلطة الإجرائية وصاحب الصلاحية في تعيين موظفي الفئة الأولى، ومن ضمنهم الحاكم. وهذا الموضوع يتطلب اتخاذ قرار في مجلس الوزراء منعقداً في جلسة حسب الأصول، وبعد موافقة غالبية الثلثين الحكومية. وهذا الأمر متعذر لكون الحكومة مستقيلة. كما أنه لا توجد ظروف استثنائية، تبرر اللجوء لمثل هذا التدبير.

في الختام يمكن استخلاص الآتي:

1. أن التجديد للحاكم لا يمكن أن يتم بصورة قانونية صحيحة إلا من قبل حكومة جديدة قادرة على ممارسة مهامها وصلاحياتها بصورة كاملة.

2. أن التجديد للحاكم، إذا ما تمّ عن طريق قرار تتخذه الحكومة المستقيلة، منعقدة بصيغة مجلس وزراء، أو مرسوم جوال، موقع عليها من 20 وزيرا أو أكثر، يعتبر غير قانوني وقابلاً للطعن أمام مجلس الشورى.
 

المصدر:
السفير

خبر عاجل