#dfp #adsense

لبنان بعد الأسد

حجم الخط

قد يستبكر كثيرون طرح السؤال عن مصير لبنان ما بعد عصر خلافة آل الأسد، أو يستنكرون السؤال في حدّ ذاته، طالما أنّ مصير النظام لم يُحسم بعد، وأنّه لا يزال يُقدّم اشارات على قوّته وثباته، وهم يحلمون بخروجه أشدّ قوّة ومناعة.

وليس من باب "التفكير بالأُمنيات" أن يبدأ اللبنانيّون مناقشة هادئة لمرحلة ما بعد النظام السوري الأربعيني، بل من باب التبصّر والتحسّب، ومراجعة موازين علاقاتهم التي بُنيت على أساس الارتباط الشديد بهذا النظام، على مدى ثلث قرن، وعلى أساس أنّ أيّ نظام بديل لن يكون أكثر طمعا واستتباعا للبنان، فكيف اذا كان ديمقراطيا يبني علاقات متوازنة مع جيرانه.

واذا كان التطوّر والتقدّم سُنّة الحياة، فانّ التمسّك بالجوامد يؤدّي حكما الى الشلل والجمود والانهيار. فالوضع السوري محكوم بالتغيير، سلما أو غلابا ( والأرجح غلابا، قياسا على نهج القمع المستمر )، وليس من مصلحة أيّ لبناني ربط مصيره بنظام مترنّح بين الموت الرحيم والسقوط العظيم.

وفي الوقائع، لم يشكّل اللقاء الاستعراضي بين الأسد وجنبلاط حاجة لبنانيّة بل حاجة للأسد نفسه، خلافا للمعادلة السابقة، فلماذا التبرّع بخدمات متأخّرة لا تُنقذ غريقا ولا تُطيل عمرا، بل تُربك المتبرّع وتُعرّضه مع مؤيّديه لأثمان في سوريّا نفسها، وفي لبنان. فكم من غريق ذهب ضحّية غريق آخر.

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ جنبلاط موهوب في براعة الاحتفاظ لنفسه بنوافذ خلفيّة وسلالم نجاة متحرّكة، فانّ الركّاب اللبنانيّين الآخرين في القارب المتخبّط، وعلى رأسهم " حزب الله "، مدعوون الى البحث عن وسيلة نجاة عبر الاجابة الملحّة عن السؤال المصيري: ماذا بعد الأسد؟

لم يفت أوان الاجابة بعد. ولا يُمكن الظنّ أنّ قيادة "حزب الله" غافلة عن حتميّة التغيير في سوريّا. ولعلّ الاشارات الأولى ظهرت في المقاربة الأخيرة التي قدّمها السيّد حسن نصرالله حول المؤسّسات والدولة والمربّعات الأمنيّة ونبذ الغلبة في الحوار على تطوير النظام، وكأنّه أجرى نقدا ذاتيّا غير مباشر، متفاديا ما ألزم حزبه به في خطاب سابق لجهة دعم نظام الأسد والالتصاق المصيري به.

قد تكون قيادة "حزب الله" بدأت تقرأ في حقيقة التطوّرات السوريّة وتمادي العجز الايراني، وعكفت على البحث عن سبل التملّص من الالتزام الخطير، أو، على الأقلّ، التخفّف من بعض أثقاله، بعدما سبقتها قيادة "حماس" الى التمايز.
لا شكّ في أنّ استدارة "حزب الله" أصعب وأقسى بكثير من انعطافة "حماس"، بسبب ارتباطه الى حدّ الانصهار بمرجعيّتي طهران ودمشق.

وقدرته على التكيّف مع الحقائق هي الآن على المحكّ: لم يعترف علنا بعد بعجزه السياسي وفشل انقلابه اللبناني، لم يُقرّ بعد بخطأ حساباته العربيّة بين البحرين واليمن ومصر وليبيا وفلسطين، لم يعترف بعد بخطورة ربط مصيره بمصير نظام الأسد، لم يخرج بعد من وهم الانتصار على العالم والقرارات الدوليّة، لم يع بعد كرتونيّة " جبهة المواجهة العالميّة "، لم ينتبه بعد الى هوائيّة " جبهة مقاومة الشعوب " النجاديّة، لم يشفَ بعد من صدمة انفكاك " جبهة المقاومة والممانعة " الممتدّة من كاراكاس الى حارة حريك مرورا بطهران وأنقرة والدوحة وغزّة ودمشق.

وحين يُفيق من كلّ هذه الكوابيس، يستعيد حجمه الطبيعي ويدخل في الحالة اللبنانيّة الصحيحة، مدركا لاجدوى سلاحه.

وتبقى يومذاك مصائر فروعه الداخليّة: مصير زعيم مجلس نوّاب عقدين من الزمن لم يعد قادرا على جمع نصاب، مصير "زعيم مسيحيّي الشرق" من دون سند بعد رحيل من خلع عليه اللقب، مصير المجموعات الصغيرة المنتشرة أو المزروعة هنا وهناك.

ومع تحديد المصائر والأحجام، وتوقّف النفخ الخارجي، ينعقد الحوار اللبناني بالأوزان الواقعيّة لأطرافه، للبحث في تطوير النظام والاجابة العلميّة والعمليّة عن السؤال: أيّ لبنان بعد سلالة الأسد؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل