الأعتدال في اللغة هو الأبتعاد عن الأفراط، أو التوسّط بين حالين. ويعني في السياسة الأتّزان في الحكم والرأي وملازمة الموقف الوسط، وفي علم الأخلاق هو فضيلة تكبح جماح الأهواء وتضبط الرغبات وتقمع الشهوات. يبدو ممّا تقدّم أنّ الأعتدال هو سمة العاقلين الحريصين على التروّي، اولئك المنكفئين عن التطرّف الممجوج، والمتوازين مع مسار الأستقامة والحذر.
لقد فاجأنا بعض المشتغلين في السياسة عندنا بطرح الوسطيّة، وأنشدوا فيها المعلّقات التي ركّزت في بيت القصيد على الأعتدال الذي يقف على مسافة واحدة من الجميع، ويحاول أن يصنّف نفسه قاسما مشتركا مقبولا يعمل على تدوير الزوايا أو تليين المسنّنات. وقد تقبّلنا من حيث المبدأ هذا الطرح "التسووي" النظري، لتمرير المرحلة الملتهبة، بالرغم من عدم التجانس بين نوعيّة ممارستنا للوطنيّة وبين الرماديّة المغبّشة أو الموقف الفاتر. فأداؤنا كان ولمّا يزل جازما حازما واضحا قاطعا. ولا سبيل أطلاقا على هذا المستوى، للعبور الى مساحة الدبلوماسيّة بمفهومها اللبناني أي "تبويس اللحى" بشطارة، وأيّا يكن الثمن.
لكنّ العجيب هنا، ليس في الطرح بذاته، بل بالمرجعيّة التي تلطّت خلفه وأدّعت أنّها أطلقته. لا يهمّنا في هذا المجال أن ندين الشخص، بل الممارسة، ما يثبت أن مواجهتنا للحيثية التي يدور حولها الحديث ليست كيدية أو شخصية أو منطلقة من خلفية مغرضة. ففي الأساس، إنّ رئاسة مجلس النوّاب ينبغي أن تكون ذات مواصفات يقبلها المجموع، فالرئاسة هي ناتج طبيعي لتوافق الأكثريّة النيابية أو التكتّلات التمثيلية. وبالتالي، فكون الرئاسة قد حظيت بثقة هذا الكمّ من "الموكّلين"، يعني حكما ألتزامها بالتوسّط وبمدّ عرى الروابط مع الجميع على حدّ سواء، بالأضافة الى التقيّد التام بالدستور وبالقوانين المرعيّة، فالرئاسة هي الحارس الأقوى للحراك التشريعي في دولة النظام الديمقراطي. لكنّ الأداء حلّق في جوّ آخر.
لقد تعاطى رئيس مجلس النواب مع القضايا على أساس شخصي أي أنطلاقا من تموضعه السياسي أو تصنيف نفسه فريقا. فهو لم يحسن الفصل، في موقعه، بين قيادته لحركة سياسية حزبيّة، وبين ألزامات رئاسة مجلس النوّاب. هو ينادي بالأعتدال ويجاوز الحدّ فئويّا، يسند سقف القانون بالتصريحات ويخالفه عند كل مفرق، يقفل المجلس لأشهر طويلة معطّلا العمل التشريعي بحجّة عدم ميثاقية حكومة قائمة، ويدعو وبشراسة الى عقد جلسة تشريعية في ظلّ حكومة ساهم في أسقاطها، يحاضر في الديمقراطية التوافقية التي لا يمكن للبلد "أن يمشي" من دونها على حدّ قوله، ويناضل في سبيل الديمقراطية الأكثرية عندما يميل العدد الى جانبه، يلقي مطوّلات مفوّهة في تداول السلطة وهو المتربّع سعيدا على عرش السلطة التشريعية من الأزل الى الأبد، يعتبر نفسه رأس رمح في محاربة المحاصصة وهو الممسك بالحصّة الأكبر في التقاسم والتوظيف والتمرير والتغطية، يهدّد بمعاقبة النوّاب الذين يخالفون بنود النظام الداخلي للمجلس، ويضرب بعرض الحائط مضمون هذا النظام عندما لا يتلاءم مع أغراضه، وما عدم أكتراثه لموقف هيئة المجلس اخيرا سوى غيض من فيض.
وبعد، أين الأعتدال لدى مسؤول لبناني يعتبر أنّ حماية البلد الحقيقية تكمن في أن يكون محميّة لغيره؟ من هنا نقول لمن "يطمئن" لهم هذا المسؤول كونه برأيهم البديل الأوحد الممكن في المعادلة الشيعية ويجب المحافظة عليه كيفما أتّفق، أنّ رهانهم أشبه بحال القابض على الريح. وأفضل مقاربة في هذا الصدد هي قصّة الشيطان مع رجل الدين: يحكى أنّ رجل دين مرّ بالشيطان وهو مرميّ مخضّب بدمائه، فلم يأبه له، عندها ناداه الشيطان قائلا: عليك أن تساعدني وهذا لمصلحتك، فمن دوني قد تصبح غير ذي منفعة وعاطلا عن العمل.
ترى، من يمثّل دور الشيطان عندنا؟