لم تكن العلاقات السورية – التركية على ما يرام في الماضي كما هو معروف بسبب نزاع حدودي على الأرض كاد أن يتحول مرة الى حرب شاملة بين البلدين.
لكن مع وصول بشار الأسد الى منصب الرئاسة في سوريا عام 2000، وانتخاب حكومة إسلامية في تركيا يقودها حزب "العدالة والتنمية"، تحسنت العلاقات الثنائية بين الدولتين بشكل دراماتيكي.
غير أن هذا التحول السياسي، الذي مهد الطريق أمام تقاربهما قبل عقد مضى، يواجه اليوم تحدياً خطيراً لأن التغيير المحتمل في سوريا يهدد الآن بتقويض أسس التحالف الجديد بين دمشق وأنقرة.
فالوضع الراهن على الحدود السورية – التركية يؤكد تدهور العلاقات بين الجانبين. وما من شك في أن تدفق آلاف المدنيين السوريين عبر الحدود الى تركيا لخشيتهم مما يجري من اضطرابات في بلدهم، سوف يفاقم حدة التوتر، ويدفع أنقرة لاتخاذ موقف متشدد من دمشق.
ومن شأن هذا التحول في الموقف التركي أن يوفر لواشنطن والغرب الفرصة – إن لم يكن الدافع أيضاً – لانتهاج سياسة أكثر قوة إزاء سوريا أيضاً.
علاقات متطورة
الحقيقة أن السرعة التي تطورت بها العلاقات السورية – التركية بعد سنوات من العداء كانت مذهلة. فبين عامي 2002 و2009 وقعت سوريا وتركيا على حوالي 50 اتفاق تعاون، وأعلنتا عن تشكيل مجلس تعاون استراتيجي على مستوى رفيع ثم أجرت قوات البلدين المسلحة أول مناورات عسكرية مشتركة في تاريخهما العسكري.
كما وقّعت سوريا وتركيا في 2010 اتفاقية تاريخية لمكافحة الإرهاب، وأصبحت أنقرة فيما بعد أكبر شريك تجاري لدمشق.
هذه العلاقات الواعدة جداً دفعت وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو للإعلان عام 2009 أن البلدين يتشاركان الآن في المصير والتاريخ والمستقبل.
غير أن مسيرة علاقات تركيا المزدهرة مع دمشق توازت أيضاً مع مسيرة أخرى مماثلة مع منافس إقليمي سابق هو ليس سوى طهران، وذلك بفضل السياسة الجديدة لحزب "العدالة والتنمية" التركي التي تدعو لحل كل المشاكل مع الدول المجاورة. ولم يكن مفاجئاً بالطبع أن يتصادف تطور علاقات تركيا بهذين البلدين الإقليميين مع برود هذه العلاقات مع واشنطن وإسرائيل.
لكن ما إن وصل ربيع العرب الى سوريا حتى بدأت العلاقات السورية – التركية بالتدهور بالسرعة نفسها التي كانت قد تحسنت بها.
فمع تصاعد حدة الاضطرابات في سوريا ووقوع ضحايا مدنيين، تخلت تركيا عن صمتها إزاء ما يحدث داخل جارتها في الجنوب. إذ أعلن رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان في آذار الماضي انه "من المستحيل الاحتفاظ بالصمت حيال ما يجري من تطورات في سوريا". وبعد أن لاحظ أنه تحدث مرتين مع الأسد، أعرب أردوغان عن أمله في أن يتبنى الأسد نهج الإصلاح كي يتجنب مواجهة حوادث مؤلمة كما يحدث في ليبيا.
ومع حلول نيسان، أرسلت تركيا وزير خارجيتها أوغلو الى دمشق حيث التقى الأسد، وعرض عليه المساعدة في تنفيذ الإصلاحات المطلوبة لتأمين النظام وتوفير الاستقرار لسوريا.
تحالف
لكن لما لم تجد هذه المبادرة التركية تجاوباً سريعاً من دمشق، وازداد عدد الضحايا ووصل الى حوالي الألف، تحالف أردوغان علناً مع المتظاهرين السوريين الذين وصفهم بـ"المقاتلين من أجل الحرية" محذراً "لا نريد أن نرى "مجزرة حماة" مرة أخرى".
بيد أنه من غير الواضح ما الذي دفع تركيا لتغيير سياستها الخارجية على هذا النحو المفاجئ المستند الى دافع أخلاقي.
إذ كان أردوغان قد هنأ الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد على فوزه في انتخابات إيران التي تم التلاعب بها عام 2009، ولم يُدل – أردوغان – بأي تعليق عندما قمع نظام الملالي في طهران التظاهرات السلمية بالقوة.
بعض المراقبين يفسرون تغير موقف أردوغان إزاء سوريا بأنه مرتبط بانتخابات تركيا التي جرت البارحة، فهو يعلم ما لتأثير حوادث سوريا على الناخبين الأتراك الذين يتعاطفون مع المحتجين السوريين. ومن المؤكد أيضاً ان حزب "العدالة والتنمية" يأمل بأن يوفر سقوط نظام الأسد الفرصة لوصول نظام إسلامي معتدل مماثل لما هو قائم في تركيا الى السلطة في دمشق.
على أي حال، وبصرف النظر عن السبب الذي دعا أنقرة لتغيير نبرتها إزاء بشار، أصبحت دمشق الآن أكثر تأثراً بالضغوط الخارجية، وأصبح نظامها أقل أمناً. بل ويمكن القول إن تركيا لم تكتف فقط بالابتعاد عن نظام دمشق بل وعملت للمساعدة في إيجاد بديل له. ففي تحرك جريء انطوى على مغزى واضح، استضافت تركيا مؤتمراً للمعارضة السورية على أراضيها، وكان ذلك مؤشراً على أن حزب "العدالة والتنمية" فقد ثقته بالنظام السوري.