#dfp #adsense

وداعاً لليسار اللبناني

حجم الخط

يمكن للبنانيين أن يودعوا اليسار اللبناني اثر موقفه من الحوادث والتحولات في سوريا. في الاصل قام اليسار على أنه مع المظلوم ضد الظالم، ومع المقهور ضد القاهر، لكن الآن تغيّر الواقع وصار باحثاً عن موطئ قدم في السلطة اللبنانية، ولم يجده منذ العام 1992 بعد قيام الطائف.

انكب بقايا اليسار بعد إقرار الطائف على استرضاء سلطة الإحتلال السوري، وعلى محاولة التلاقي مع رئيس "حركة أمل" نبيه بري علّ ذلك يثمر موقعاً نيابياً يتيماً في مجلس النواب، لكن الأسوأ كان في انتظار الحزب "الشيوعي" اللبناني الذي شاعت عنه مقولة: لا يسار من الحزب الشيوعي.

فالحزب الذي رفع شعار "الارض لمن حررها" لم يوفق في الحفاظ على حياة اعضائه في الجنوب، بل وقتل خيرة قادته ومفكريه ومقاتليه. ولم يشفع له كونه العمود الفقري لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ولا تمسكه بالقضية الفلسطينية جوهراً للصراع العربي – الاسرائيلي.

والأروع من كل ذلك أنه دفع ثمن رفضه الإنخراط في حرب المخيمات التي قادتها حركة "أمل" تحت شعار "لا عودة الى ما قبل العام 1982"، بل عوقب على موقفه هذا بالإقصاء والتهميش والإغتيال.

أحد لا يغالي إذ ما نعى اليسار اللبناني – وجوهره الحزب الشيوعي اللبناني – بعد انكفاء أمين عام منظمة العمل الشيوعي محسن إبراهيم، وإغتيال جورج حاوي، والمفكر سمير قصير. لكن سبب النعي الحالي هو ما صدر عن الحزب "الشيوعي" اللبناني اخيراً، وتحديداً عن أمينه العام خالد حدادة وعن مكتبه السياسي.

فالأول تحدث عن "مؤامرة" على سوريا لإخضاعها للمشهد الأميركي – الإسرائيلي، أما المكتب السياسي الخلاق فقد أصدر بياناً تحدث فيها عن "مؤامرة" تواجهها سوريا في مقابل "الامبريالية" الاميركية. وللعلم فإن شيوعيين كثر ـ سابقون وحاليون ـ ومن بينهم كاتب هذه الأسطر لم يتوصلوا يوماً الى تحديد نهائي لمفهوم "الامبريالية".

على كل، فقد أفرط الشيوعيون بالحديث عن "الفتنة" التي تواجهها سوريا، مستخدمين في ذلك كل أدبيات نظام الأسد الأمني والعسكري، ومن دون التطرق ولو في كلمات إنسانية الى الذين سقطوا دفاعاً عن حقهم بالحياة الحرة والكريمة من دون إذلال.

الأسوأ من ذلك، أن الشيوعيين تناسوا رفاقهم امثال ميشال كيلو وعارف دليلة، وكأن هؤلاء صاروا عملاء لدى الـ"سي آي ايه"، أو لدى "الموساد".

الشيوعيون اللبنانيون يراهنون منذ العام 1992 – وهذا دأبهم التاريخي – على انتصار النظام السوري على ارادة شعب، ليكافأهم بمقعد نيابي. وفي الأثناء تناسوا التنكيل بهم في الثمانينات والاغتيالات التي طالت كبار مفكريهم من أمثال حسين مروة وحسن حمدان وغيرهما، فضلاً عن استهداف كبار القيادات العسكرية في جبهة المقاومة الوطنية.

لم يسبق لليسار اللبناني أن سقط أخلاقياً، كما هو حاصل مع الحزب الشيوعي اللبناني الآن. فهو تنكر لمطالب الفلاحين في سوريا، وأدار وجهه لمطالب الطلبة والطبقة الوسطى الساعية إلى الحرية والداعية الى تداول السلطة.
على كلٍّ فإن من يغض الطرف عن 5 ملايين قتيل في سيبيريا، فلا يمكن أن ننتظر منه غير ذلك. وهو أصلاً تاجر فاشل، ذلك أنه يناصر "حزب الله" الديني والذي هو من خوّن أنور ياسين الأسير لمدة 17 عاماً في السجون الإسرائيلية، وأفتى بعدم جواز الاقتراع له في الانتخابات النيابية.

جلّ ما بقي لدى اليسار اللبناني الحديث في المقاهي عن العلمنة ، لكنه لا يقول لنا أين أصبح مسار إسقاط النظام الطائفي؟ وما هي مسوغات التحالف مع "حزب الله" وحركة "أمل" والحزب "القومي"، ومتى سيبدأ معركته ضد الفساد والمفسدين؟

لقد بات اليسار اللبناني اليوم أشبه بالأبكم، فهو يصرخ من دون أن يقول شيئاً، ومن دون ان يستطيع الآخرون فهمه فلا ايديولوجيا عادت تنفع، ولا انتهازية سياسية قادرة على إخراجه من أزماته المتراكمة في الفكر والممارسة.

على هذا ، لا يسع المرء القول إلا: أطال الله بعمر محسن ابراهيم وحماه، ورحم الله جورج حاوي الذي كان وعدنا بأن الصوت سينتصر على كاتم الصوت.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل