تحت عنوان "اتحاد التربية وكرامة الإنسان" خاطب رئيس جامعة الروح القدس – الكسليك الأب هادي محفوظ الأسرة الجامعية والحضور الرسمي في كلمته التي ألقاها في احتفال أقيم بمناسبة عيد شفيع الجامعة، عشية عيد العنصرة، استهل بقداس ترأسه الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة الذي شدد في عظته على معاني عيد العنصرة ودور الروح القدس في تعمّق الشعوب في معرفة الله كما وفي توحيدها. وقد خدمت القداس جوقة الجامعة بقيادة الأب يوسف طنوس، في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في حرم الجامعة الرئيس.
وانطلاقاً من المفهوم الإنساني لتاريخ جامعة على مشارف الاحتفال بذكرى مرور خمسين عاماً على الاعتماد الرسمي لها كمؤسسة تعليمٍ عالٍ، تطرّق الأب محفوظ في كلمته إلى القوى الإيجابية التي من شأنها أن توجه مستقبل مؤسسة، أو بالأحرى مستقبل مجتمع معيّن، نحو تطبيق نموذج مؤسساتي مثالي ينبغي للجامعة اتّباعه. ثم انتقل إلى معنى الممارسات الجامعية في يومنا هذا، مذكراً في نهاية كلمته بمساحة رسالتنا الجامعية التي تُترجم أيضًا بشغف كبير نحو الوطن.
واستهل الأب محفوظ كلمته بالتشديد على "أن احترام كرامة الإنسان هو المؤشّر الأساسي لقياس نمو المجتمعات. ويتم احترام كرامة الإنسان هذه في إطار مأسسة توازن بين الأنا والنحن الجماعي. فلقد شهدنا في الآونة الأخيرة سقوط أنظمة متعددة، ويتساءل كثيرون عن الأسباب الحقيقية لهذه التغيّرات. ولا شك في أن السبب الرئيس يعود إلى عدم احترام هذا الطرف أو ذاك كرامة الإنسان".
واعتبر "أن المجتمعات التي بنت فلسفتها الاجتماعية والاقتصادية على مبدأ نمو الإنسان الفرد، وخصوصاً على مفهوم الأنانية المحفّزة لرغد العيش العام، لم تلقَ سوى الخيبة والفشل. من هنا نجد أن تساهل الجهات الفاعلة في الحياة الاقتصادية والعامة بشأن الأسس الأخلاقية، لا يتطابق مع السعي الصادق إلى احترام كرامة الإنسان"، معتبراً "أنه لا عجب في أن نرى إلى أي حدّ يمكن لعبادة الذات أن تكون سببًا في دمار الإنسان وتفكك علاقته بمحيطه".
ورأى "أننا مدعوّون اليوم إلى إعادة خلق وعي جماعي وإلى بعث روحانية محصنة بالقيم المسيحية في داخل كل واحد منا. ومن شأن هذه القيم أن تعزز "التنمية البشرية المتكاملة"، خصوصاً أنها تتضمن، إلى جانب المعرفة العملية، دفاعاً جليًّا عن الحياة البشرية والعائلة والضعفاء والمنبوذين والضحايا و"جرحى الحياة". ونقصد "بالتنمية البشرية المتكاملة" نمو كل فرد من دون أي تمييز، ونمو الإنسان في كل أبعاده، بما في ذلك البعد الروحي".
وأشار إلى "أن للجامعة الكاثوليكية رسالة رائدة في هذا المجال، إذ إنها باتت تشكل أكثر فأكثر "قرية مثالية" هدفها تعزيز التنمية البشرية على جميع المستويات، كما يتوجب عليها أن تحثّ كل شخص على تحديد تاريخه الخاص في قلب تاريخ المؤسسة والمجتمع"، متطرقاً إلى خطاب قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر، الذي ألقاه بتاريخ ٢۱ أيار ٢٠۱۱ في روما خلال استقباله مسؤولي جامعة القلب الأقدس الكاثوليكية وأساتذتها وطلابها، والذي يذكّر فيه العالم الجامعي بهذه المسؤولية، عندما أكد قداسته "أن "الأفق الذي من شأنه أن ينعش العمل الجامعي ينبغي أن يكون الشغف الصادق نحو الإنسان"؛ ثم أضاف ما يلي: "أن نخدم الإنسان هو أن نحبّه بصدق، وأن نحب الحياة ونحترمها على الدوام، بدءًا بالحالات التي تكون فيها أكثر هشاشةً وضعفاً".
واعتبر الأب محفوظ "أنه من هذا المنطلق، فإن الجامعة الكاثوليكية مدعوة الى أن تكون "المكان الذي يتخذ فيه شكل الامتياز هذا الانفتاح على المعرفة والشغف بالحقيقة والاهتمام بتاريخ الإنسان الذي يميّز الروحانية المسيحية الحقة"، مؤكداً التزام الجامعة بالرسالة التي أوكلها قداسة البابا إلى الجامعة الكاثوليكية حيث تتشارك الأسرة الجامعية بكاملها الشغف الصادق نحو الإنسان، "فالسنون الخمسون التي تبهجنا هي حصيلة التوازن الضروري في تربية تكتنز بالروحانية وتهدف إلى تنمية الإنسان في جميع أبعاده، وهي ثمرة هذه الثقافة المؤسساتية التي باتت فيها خدمة الآخر والمجتمع دافعًا أساسيًا لالتزام كل فرد منا. وتؤكد أحدث النظريات في المجال الإداري أن النجاح يعتمد على سلوك المسؤول الذي ينمّ عن التواضع وعلى سلوك كل فرد ينتمي إلى هذه المؤسسة بما يعود بالمنفعة عليها".
وأضاف: "كما أن الشغف نحو الإنسان يأخذ شكل الامتياز، إذ يشكل جزءًا لا يتجزأ من المسؤولية الملقاة على عاتق كل شخص منا تجاه الآخر. والتميّز يتطلب وجود مفهوم الالتزام الجماعي والإقدام على التغيير بنضوج ووعي لما فيه خير الجماعة؛ ولا يتم هذا الإقدام على التغيير إلا من خلال الفعل وليس من خلال اللامبالاة …كما أن الإقدام على التغيير هو حصيلة السعي الشخصي الدائم إلى تخطي الذات والسعي إلى تفعيل الروح الخلاقة. هكذا جامعة الرُّوح القدس – الكسليك، بما لها من أثر إيجابي وما تحتله من مكانة مرموقة في الحقل التعليمي، هي ثمرة حلم قد تحوّل إلى حقيقة بفضل إيمان أبناء الرهبانية اللبنانية المارونية التي أسستها والتي تديرها. ونحن اليوم مدعوّون إلى الارتقاء بهذا الحلم أكثر فأكثر وفقًا للمنطق الذي سبق وتحدثت عنه مرارًا وتكرارًا، ألا وهو منطق "التطور في الاستمرارية"، وذلك بهدف تعزيز هذا الأثر الإيجابي لجامعتنا في مجال التعليم العالي وفي تاريخ هذا الوطن وحتى في تاريخ الإنسانية جمعاء".
وتابع: "وتشكّل الروح الخلاقة، كذلك، العنصر الأساس في تحقيق النجاح الفردي والمؤسساتي. فالعالم يعي اليوم أكثر من أي وقت مضى أن الروح الخلاقة، وليس النظم التقليدية، هي التي تقودنا إلى إيجاد الحلول المرجوّة لمشاكلنا الأكاديمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها… وفي هذا الاتجاه، كل فرد منا مدعو إلى المساهمة في هذا المسار التنموي المستدام لمعرفتنا وممارساتنا الجامعية؛ إذ إننا نعي اليوم أكثر فأكثر مدى أهمية استثمارنا للطاقات البشرية في سبيل بناء مجتمع الغد الزاهر".
وأردف: "تثبت جامعة الروح القدس – الكسليك، في نهاية عقدها الخامس، مكانتها العالمية في مجال التعليم العالي وانفتاحها على الخارج وتعلقها الشغوف بهويتها كجامعة كاثوليكية مارونية. وهي مصممة اليوم أكثر من أي يوم مضى، بفضل أسرتها الجامعية، على تعزيز أثرها الإيجابي في العالم وعلى الارتقاء بالعمل التربوي في لبنان وفي الشرق الأوسط إلى أعلى المستويات. وهذه "رسالة عظيمة"، كما وصفها قداسة البابا بنديكتوس السادس عشر في خطابه إلى غبطة البطريرك بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى، خلال الزيارة الأولى التي قام بها غبطة البطريرك الماروني الجديد إلى خليفة القديس بطرس، بتاريخ ۱٤ نيسان ٢٠۱۱، عندما قال قداسته: "لأنكم في قلب الشرق الأوسط، تؤدون رسالة عظيمة تجاه الذين تريد محبة المسيح إعلان بشرى الخلاص السارة لهم (…) وسوف تتابعون هذه الرسالة عبر تربية إنسانية وروحية وأخلاقية وفكرية لصالح الشبيبة." ويدعونا قداسته بالتالي إلى إدراك مدى أهمية رسالتنا ويعتبر أن التربية هي الوسيلة الفضلى لإتمامها. وقد أكد قدس الأب العام الأباتي طنوس نعمه في خطابه الأول في ٧ تشرين الأول ٢٠۱٠، بعد انتخابه رئيساً عاماً للرهبانية اللبنانية المارونية، أن الرهبان المنضوين تحت لواء هذه الرهبانية والمتجذرين في لبنان يعطون الأهمية الكبرى لهذه الرسالة التربوية".
وتحدث الأب محفوظ عن تميّز التربية في الجامعة، كونها "تجمع بين البعد المعرفي والتنشئة على المواطنية والديمقراطية"، مؤكدا على "سعينا الدؤوب إلى إضفاء الطابع المؤسساتي على الإجراءات المتبعة في الجامعة وعلى العلاقات المهنية، زارعين بذلك في كل فرد ينتمي إلى هذه الجامعة حس المسؤولية من حيث إدراك الحقوق والواجبات وتطبيق مقومات الامتياز. أما المناهج المعتمدة فلها وجهان، الأول ذو طابع رسمي، هو التعليم والاكتساب، أما الثاني فهو ذو طابع غير رسمي، يتمثل في عيش المواطنية الصالحة في حرم الجامعة".
كما أكد على تعلّق الجامعة بالهوية اللبنانية، "فهي تدافع بحزم وثبات عن الأسس التي يُبنى عليها وطننا والمتعلقة بميثاق العيش المشترك واحترام التنوع القائم على وجود ثقة متبادلة بين الأطراف وتسامي كرامة الإنسان فوق كل مصلحة شخصية ورهانات سلطوية".
واختتم: "على مشارف إتمام عقدها الخامس، توسعت أسرة الجامعة لتشمل اليوم الطلاب القدامى وأصدقاء لها منتشرين في مختلف أنحاء العالم. ونحن اليوم بصدد تعزيز علاقتنا بهم عبر إشراكهم في إتمام رسالتنا في لبنان. وهكذا، يتوجب علينا التواصل مع كل شخص من بين هؤلاء الذين لا يزال قلبهم ينبض بحب مجتمعهم الأول ووطنهم الأم".
وتخلل الاحتفال عرض وثائقي عن الجامعة، سلّط الضوء على كليّات الجامعة ومعاهدها، إضافة إلى أهدافها ورسالتها ومسيرتها التطويرية من ناحية العمران والبرامج واتفاقات التعاون التي أبرمتها على الصعيدين المحلي والدولي. وتضمن أيضاً لمحة عن مجمل النشاطات الجامعية التي حصلت فيها خلال العام الفائت، حيث استقبلت في حرمها العديد من الشخصيات اللبنانية والأجنبية البارزة. كما اختتم الحفل بعشاء تقليدي في الباحة الخارجية.
