كتب عمر الداعوق في "اللواء":
بعد الإعلان عن التشكيلة الوزارية الجديدة وأسماء الوزراء وتوزيع الحقائب الوزارية على الكتل النيابية والشخصيات السياسية المنضوية تحت لواء ما يسمى بالأكثرية الجديدة، تساءل اللبنانيون عن كيفية تجاوز الصعوبات والعُقد العديدة التي حالت دون تشكيل الحكومة العتيدة حتى اليوم وأبقت لبنان بلا حكومة طوال الأشهر الماضية، وما هي الدوافع المستجدة التي ساهمت في تقريب وجهات نظر الاطراف المعنيين بعملية التشكيل هكذا فجأة، لا سيما وأن جميع الشروط والمطالب التوزيرية المطروحة من قبل التيار الوطني الحر، كانت توصف بالتعجيزية وغير القابلة للتنفيذ لأنها مخالفة لاتفاق الطائف وتجاوز الصلاحيات الدستورية للرئيس ميقاتي كما تردّد أكثر من مرّة من قبل مصادره في وسائل الإعلام حسب توصيفها ولم تعد كذلك بسحر ساحر، بعدما تمّت تلبيتها بالكامل، مع تبديل شكلي في بعض الأسماء والحقائب الوزارية لم يتناول جوهر المطالب المطروحة، لا من قريب ولا من بعيد، في حين هدفت خطوة رئيس المجلس النيابي بالتنازل عن مقعد شيعي لحل معضلة توزير "الكراميين" في أول سابقة من نوعها، لتذليل آخر العُقد، لئلا تنزلق الأمور باتجاه، إما إقدام الرئيس المكلّف على تقديم حكومة أمر واقع أعدّ تشكيلتها مسبقاً أو الاعتذار عن التشكيل لأنه لم يعد يحتمل المراوحة في دوامة التشكيل إلى وقت إضافي.
ولعل مبادرة الرئيس السوري بشار الأسد بالاتصال برئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس المجلس النيابي نبيه برّي بعد الإعلان عن التشكيلة الوزارية مباشرة للتهنئة، تعطي الجواب الشافي للبنانيين عن التساؤلات المطروحة والدوافع التي أدّت إلى ولادة الحكومة الجديدة في هذا الوقت بالذات، بعد شهور من العرقلة المنظمة، تبادل ادوارها حلفاء النظام السوري وإيران بجدارة لإبقاء لبنان في حالة فراغ سياسي بانتظار اللحظة المؤاتية لمصلحة النظام السوري في لبنان والمنطقة على حدّ سواء.
لقد أراد الرئيس السوري من خلال الإسراع بالاتصال الهاتفي للتهنئة بتشكيل الحكومة الجديدة في هذا الظرف بالذات وخلافاً لما كان يحدث في السابق كما يلاحظ معظم متتبعي الشأن السياسي، إظهار استمرار تحكمه بالمسار السياسي الداخلي في لبنان كما كان الوضع عليه لدى اقدامه على إسقاط حكومة الوحدة الوطنية نهاية العام الماضي وللدلالة أيضاً على ان كل الأحداث والتطورات التي حدثت في سوريا طوال الشهرين الماضيين لم تؤثر في اضعاف قبضته على الواقع الداخلي اللبناني وتأثيره في مسار الاحداث كما يذهب البعض في تحليلهم للاوضاع السائدة حالياً في سوريا.
كما اراد الرئيس السوري كذلك، بعث اكثر من رسالة الى الغرب والدول الاقليمية والغرب عموماً، بأنه ما يزال قادراً على الامساك بالورقة اللبنانية بيده في مواجهة كل الضغوطات التي تمارس على سوريا من اكثر من اتجاه في الوقت الحاضر، وبإمكانه اللعب بهذه الورقة متى شاء من خلال حلفائه المخلصين في حال استمرت هذه الدول بانتهاج سياسة التضييق على النظام السوري من اكثر من اتجاه، وقد يكون من ضمن خياراته المطروحة تعميم الفوضى وعدم الاستقرار في هذا البلد كما كان يفعل في كثير من الاوقات.
ولكن بالرغم من كل هذه الوقائع والتطورات التي ادت الى ولادة الحكومة الميقاتية الثانية بعد المخاض الصعب التي مرت به، يلاحظ بوضوح لدى اكثرية السياسيين حتى المنضوين تحت لواء الاكثرية الجديدة، ان تشكيل الحكومة الجديدة بالشكل الذي حصل فيه يخفي مناقشات حادة بين كافة مكونات هذه الحكومة، لن تنفع كافة الوسائل التجميلية والضغوط السورية القسرية في طمس مؤثراتها السلبية ومضاعفاتها على انطلاقة الحكومة الجديدة، بعد ان أتت التباينات الحادة بين اطرافها واستهداف رئيسها بعبارات الاتهام للخارج وما شابه الى تآكل جزء كبير من فاعليتها وتأثيرها في اعطاء الصدمة المطلوبة لانتشال الواقع السياسي من كبوة التجاذبات الحادة التي عصفت بلبنان طوال الأشهر الماضية وأدّت الى تآكل هيبة الدولة وتراجع ثقة المواطنين بمؤسساتها ومسؤوليتها الى أدنى حدٍ ممكن.
فإذا كان اتصال التهنئة الذي اجراه الرئيس الاسد بالحكومة الجديدة، يؤشّر لاعطاء انطباع لمدّ الحكومة بعامل قوة سوري لتولي زمام السلطة في لبنان كما كان يحدث من قبل، كي تتمكن من مواجهة الاستحقاقات الداهمة لا سيما التي تخص منها النظام السوري كالقرار الاتهامي المرتقب صدوره قريباً في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري او اي اجراءات دولية تصدر رداً على الاحداث الجارية في الداخل السوري حالياً، فإن تركيبة الحكومة الهشّة والتناقضات الحادة في توجهات المشاركين فيها ليست مؤهلة للقيام بمثل هذه المهمات المعقدة، كما ان إضفاء الصبغة السورية عليها سيشكل نقطة ضعف كبيرة في مسارها ويجعلها عرضة للانتقادات والاستهداف السهل للمعارضة من كل إتجاه، لا سيما وان معظم اللبنانيين يعارضون تكرار تجارب الماضي وهذا المنحى لأي حكومة كانت.