ليس من السهل الجمع بين صورة الحكومة الجديدة وبين التصور الذي رسمه الرئيس نجيب ميقاتي لمهامها في العمل. فلا دعوة اللبنانيين الى الحكم على (الأداء والممارسة) بدل (النيات والأشخاص) تكفي لتغيير العادات ونسيان الوقائع والمخفي والمعلوم عن النيات والأشخاص. ولا مفاجأة التأليف، من حيث كان الانطباع السائد حتى ساعات الولادة هو اللاتأليف، تغطي ما سبقها على مدى أشهر طويلة من مناورات وسجالات بين الشركاء وقتال على الحصص في غياب الكلام الجدي على السياسات والبرامج.
ذلك أن الحكومة بالمفرق شيء وبالجملة شيء آخر. فهي تضم من يستحق ومن لا يستحق. من لديه أهلية للتوزير ومن ليس لديه أهلية حتى بمقاييس المحاصصة قبل الحديث عن معايير النظام الديمقراطي البرلماني. لكن المخاض الطويل الذي رافقته خسائر سياسية واقتصادية واجتماعية، وضاعت معه فرص أمام لبنان في مناخ التطورات العربية بسبب فراغ السلطة، دفع الناس الى التسليم بأية حكومة مهما يكن شكلها واعتبار التأليف في حد ذاته (انجازاً واعجازاً).
والسؤال كالعادة في حسابات الدفتر هو: من ربح ماذا ومن خسر ماذا? لكن المسألة هي ان الأرباح والخسائر في الحكومة تتساوى في غياب الدولة. فمن البداية كانت اللعبة هي (حكومة محشورين) بخيار وحيد لا بديل منه سوى الفشل أو استمرار الفراغ. وفي النهاية قاد الحرص على التأليف الى حكومة (جوائز ترضية) بشكل لا سابق له. الوحيد الذي رفض جائزة الترضية بوزارة دولة بدل الحقيبة هو الوزير طلال ارسلان الذي أعلن استقالته فورا وقرر حجب الثقة قائلا في رئيس الحكومة ما لم يقله مالك في الخمر. والوحيد الذي أعاد اليه الرئيس ميقاتي الفضل الكبير في إتمام التأليف هو رئيس المجلس نبيه بري الذي ضحّى بأن تكون حصة الشيعة أقل من حصة السنّة والموارنة، خلافا للتقاليد والأعراف، لكي يصبح ممكناً توسيع جوائز الترضية في طرابلس. أما الذين خرجوا وكانوا من الثوابت، فان لكل منهم قصة مع مرجعيته لا مع حقيبته. واما الذين هبطوا بالمظلات، وصاروا من الثوابت، فان رأسمالهم ليس في باب العمل العام أو التمثيل السياسي.
لكن سباق الحواجز الذي اجتازه التأليف لم ينته بعد. فهو مستمر بعد التأليف. وأكبر حاجز ليس البيان الوزاري الذي يمكن القفز من فوقه بالانشاء العربي بل مواجهة التحديات بعد البيان والثقة. ولا أحد يعرف كيف تتبلور الصورة في الواقع السياسي الجديد الذي لأطرافه أكثر من تصوّر، وسط عنوان الحكومة الذي أخذه الرئيس ميقاتي بتصرّف من النشيد الوطني.