أكّد الوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون أن الحكومة التي تشكّلت ما كانت لتستحق خمسة أشهر من الإنتظار، مشيرا إلى أن الرئيس نجيب ميقاتي اصاب اللبنانيين بخيبة أمل، لأنه وعد بحكومة لا تكون مرجعيّتها واحدة وهي "حزب الله" والمحور السوري – الإيراني وبحكومة متوازنة لا تكون من لون واحد ويفتخر بها على الأقل بنصفها اللبنانيين، لكن هذه الحكومة ليست كذلك.
وأضاف: "هذه الحكومة مركبة على قاعدة 20 – 10، وثلثاها مرجعيتهم "حزب الله" وممولين من الخارج، أما العشرة الباقون فهم قريبين أو بعيدين بشكل محدود عن "حزب الله"، موضحا أنها لا تمثل لبنان ولا تعكس توازناته والسعي اللبناني في المرحلة اللاحقة هو تخفيف أضرار هذه الحكومة على الوضع الوطني والإقتصادي.
بيضون، وفي حديث إلى موقع "القوّات اللبنانيّة" الالكتروني، راى أن هذه الحكومة لم تتشكل على أساس وطني وإنما على أساس محاصصة داخليّة وتبعيّة كاملة للخارج، مشيرا إلى ان هذه الحكومة غير قادرة على إدارة الشأن العام وعمرها لن يطول. وأضاف: "هذه الحكومة هي كالفاكهة الصيفيّة يمكن أن تعيش فصلا واحدا"، معتبرا أنها نتيجة وضع يد "حزب الله" ومرجعيته الإقليميّة على البلاد.
ورأى بيضون أن هذه الحكومة ليست إعلانا للمواجهة من قبل المحور السوري – الإيراني وإنما هي تدبير وقائي، لأن هذا المحور كان متخوفاً من أن تفلت الورقة اللبنانية من يده، مشيرا إلى أن هذا المحور ليس في وضع مواجهة الآن، وما يقوم به في لبنان هو تدبير احترازي لكي لا يخسر. وأضاف: "هذا الأمر تم بسبب موقف النائب وليد جنبلاط، خصوصا بعد استقباله الموفد الأميركي جيفري فيلتمان، الذي بدا أنه من الممكن أن يعود إلى "14 آذار" أو يعود إلى تشكيل أكثريّة من نوع آخر"، لافتا إلى أنه بسبب هذا الخوف استعجل هذا المحور التشكيل من أجل وضع يده على الورقة اللبنانيّة.
وأكّد بيضون أن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر بسبب مخاوف النائب وليد جنبلاط، من جهة لأن قاعدته ليست مقتنعة بالخط الذي يسلك الآن، كما ان لديه مخاوف بشكل اكبر على الوضع الاقتصادي من جهة اخرى، مشيرا إلى أنه إذا لم يتحسن الوضع الإقتصادي عبر عمل هذه الحكومة، والواضح أنه لن يتحسن، يعني أن جنبلاط سيبدأ يتغيير موقعه.
وأشار بيضون إلى أن التلاعب بالأعراف الدستوريّة والدستور اصبح من مميزات رئيس مجلس النواب نبيه بري، مشيرا إلى أن الأخير تلاعب بالدستور عند إقفاله مجلس النواب لسنة ونصف، وعندما تمنع على الدعوة لإنتخابات رئاسة الجمهوريّة واخّرها لمدة 6 أشهر، وعندما دعا لجلسة لمجلس النواب من دون موافقة هيئة مكتب المجلس ورئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان. وأضاف: "بري ومعه "حزب الله" تاريخهم حافل بالتلاعب بالدستور وإخضاعه للمصلحة والمنفعة السياسيّة المباشرة".
ولفت بيضون إلى وجود قرار إقليمي بتشكيل الحكومة بسرعة نتيجة خوف الموقع الإقليمي من خسارة أوراق إضافيّة، معتبرا أن في يومنا اصبحت المنفعة السياسيّة اهم من العرف الدستوري الذي يؤكد التوازن في التمثيل بين السنة والشيعة. وأضاف: "ما حصل ليس غريبا أن يقوم به بري، ولكن يجب التزكير على أن هذا التوزيع والعرف الدستوري ليس ملكا لشخص معيّن كي يتصرّف به"، مشيرا إلى أن بري لا يمكنه التصرف بما هو ليس ملكا له. ورأى أن الرئيس بري يتصرّف وكأنه "والي" على الطائفة ويتصرّف بكل ما يعود للطائفة من ممتلاكات واموال وأرزاق…".
واعتبر بيضون أنه ما كان يجب على رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة أن يسمحا بأن يتم التلاعب بالأعراف التي أرساها اتفاق الطائف، مشيرا إلى أن موقع الرئاسة موقع مسؤول وما كان يجب أن يدع هذا الأمر يحصل. وأضاف: "تقع المسؤوليّة في هذا الإطار على رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة".
وإذ أكّد أن التلاعب بالأعراف للمصلحة السياسيّة الآنيّة امر خطير، أشار إلى أنه من الممكن في وقت لاحق أن يؤخذ هذا الأمر على أنه سابقة فيعمد بعضهم على سبيل المثال إن الطائفة الكاثوليكية ليست بمهمة ويجب أن يؤخذ وزير من وزرائهم ويعطى لطائفة ثانية أو القول لماذا يجب إعطاء الأرمن مقعدين في الحكومة؟ يجب إعطاءهم مقعد واحد، معتبرا أن الفريق الآخر خلق سابقة خطيرة جدا خصوصا على الطوائف الصغيرة. وأضاف: "هذه السابقة ليست فقط خطيرة على هذه الطوائف وإنما من الممكن أن يطالب بري و"حزب الله" بكسر العرف ويصبح لا مكان للمناصفة في توزيع المقاعد الحكوميّة"، موضحا أنه من الممكن أن يقول بري في المرة المقبلة أنا في الماضي قدّمت مقعدا الآن يجب أن تعطوني الآن في المقابل. وقال: "هذه سابقة خطيرة وما كانوا مضطرين للقيام بها لولا استعجالهم وإلى حد ما استسهال الحلول التي تأتي من خارج الدستور".
وأكّد بيضون أن ما قام به الرئيس بري لم يكن بتضحية وأنما هي هديّة "مسمومة" للرئيس ميقاتي، مشيرا إلى انه عبر توزير إثنين من آل كرامي من طرابلس هذا الأخير أعلن نوع من حرب على "تيار المستقبل"، وهذا يعني أنه في الإنتخابات المقبلة لن يكون ميقاتي نائبا. وأضاف: "من المعروف أن طرابلس على الصعيد الشعبي تؤيّد "المستقبل"، فالرئيس ميقاتي اليوم من أجل تشكيل حكومة بالسرعة التي رايناها بعد أن أتى القرار الخارجي تلقى هديّة "مسمومة" ستؤثر على مستقبله السياسي وعلى علاقته بالمدينة"، لافتا إلى أن قبول ميقاتي بصيغة الـ20-10 خطأ كبير يمكن أن يكون من أكبر الأخطاء في حياته السياسيّة.
وردا على سؤال، اعتبر بيضون أن النائب ميشال عون يفكر في الإنتخابات قبل أي شيء آخر، وقد استحصل على وزارات الخدمات في الحكومة من أجل أن يسخرها لربح مقاعد إنتخابية في الإنتخابات المقبلة، مشيرا إلى أن عون يعتبر أن انتخابات الـ2013 ممكن أن توصله إلى رئاسة الجمهوريّة في الـ2014. وأضاف: "كل هذه الأمور أوهام لأن هذه الحكومة غير قادرة على إدارة الشأن العام"، لافتا إلى ان النائب وليد جنبلاط قام بانعطافة كبيرة ستشكل خطرا عليه في الإنتخابات المقبلة.
اما في موضوع التخوّف من إمكان ممارسة هذه الحكومة للكيديّة السياسيّة، أشار بيضون إلى أن هذه الحكومة أكلت الكثير من رصيد الرئيس ميقاتي، وإذا ذهبت باتجاه تطبيق الكيديّة ستنهيه على الصعيد السياسي، مشيرا إلى أنه لا يظن أن ميقاتي مستعدّ للمغامرة إلى هذا الحد بمستقبله السياسي، لأنه يجب عليه أن "يحفظ خطوط الرجعة" مع "14 آذار" ويضاف إليه وليد جنبلاط الذي يحاول ذلك. وأضاف: "أستبعد الكيديّة في هذه المرحلة، وأعتقد أن "14 آذار" يجب أن تكون موحّدة ومتحسّبة لتخفيف أضرار هذه المرحلة وهذه الحكومة على البلاد كلها".
أما في موضوع التزامات لبنان الدوليّة ومدى التزام هذه الحكومة والرئيس ميقاتي بالحفاظ عليها، كرّر بيضون الإشارة إلى أن هذه الحكومة هي نتيجة وضع يد "حزب الله" ومرجعيته الإقليميّة على البلاد، معتبرا أن موضوع قدرة ميقاتي على الحفاظ على تلك الإلتزامات في غاية الصعوبة ويخضع للمصلحة الإقليميّة أكثر من المصلحة الداخليّة.
وردا على سؤال عن تأثير تشكيل الحكومة على المحور السوري – الإيراني في المنطقة، أشار بيضون إلى وجود خوف لدى هذا المحور من خسارة الوضعيّة اللبنانيّة بالكامل، خصوصا مع بداية إنقلاب جنبلاط، لافتا إلى أنه كان هناك خوف من أن تتغيّر الأكثريّة من جديد، لذلك تم استعجال تشكيل الحكومة للحؤول من دون ذلك. وأضاف: "إن تغيير الأكثريّة كان سيعد هزيمة للمحور السوري – الإيراني، الذي يحتاج في هذه المرحلة للثبات وإلى أي إنتصار"، موضحا أن هذا المحور وضع يده على لبنان ويريد أن يرى ما هي التطورات العامة من أجل التصرف إما التقدم إلى الأمام أكثر أو الوقوف عند مستوى معيّن من السيطرة.
حاوره: بولس عيسى