إنه لمن نسج الخيال الاعتقاد، بعد 40 عاما من القمع والفساد والاحتقار التام لحقوق الانسان، ان الزعماء السوريين قادرون على التغير او على اقناع الشعب بأن وعودهم الاصلاحية جدية. كيف يتصور هؤلاء الديكتاتوريون انه ما زال يمكنهم في القرن الحادي والعشرين ان يبقوا الناس في الجهل لكي يتمكنوا من السيطرة عليهم على المدى الطويل؟ كيف يمكن تجاهل قوة وسائل الاتصالات التي ينفذ اليها الجميع عبر الانترنت والهواتف النقالة والصور؟ دعونا لا نتوهم بعد اليوم، فالسؤال لم يعد: "هل يمكن النظام السوري ان يبقى حاكما؟" بل "الى متى يمكنه ان يبقى في السلطة؟".
المسألة الجوهرية المطروحة اليوم هي اذاً: ماذا بعد؟ فالمستقبل يهم اولا وخصوصا الشعب السوري، ولكنه يعني ايضا كل الشعوب المجاورة وخصوصا اللبنانيين الذين نسجت لهم سياستهم طوال العقود الماضية في دمشق. اغرقت الثورة الشعبية السورية لبنان في ركود سياسي، في انتظار معرفة من سيخرج رابحا من معركة شد الحبال تلك، والدليل على ذلك هو ان تحالف 8 آذار استغرق شهورا لتشكيل الحكومة بعد تنازلات عدة، على الرغم من الاكثرية البرلمانية التي حصلوا عليها بقوة التهديد. اين هي غطرسة شركاء النظام البعثي؟ اين هي التهديدات بـ"كسر الايدي" او بـ"7 ايار جديد"؟ يكفي ان نلاحظ تغير نبرة الناطقين باسم من سميناهم لفترة طويلة حلفاء سوريا اللبنانيين (بينما كان المصطلح الصحيح الذي لم يتجرأ احد على استخدامه هو حلفاء الاسد). فقد اصبح هؤلاء "البعض" فجأة اكثر تهذيبا ويتمتعون بحس توافقي غريب.
سيطر الصمت على قسم كبير من رجال السياسة اللبنانيين الذين لم يذكروا المجازر ضد المتظاهرين السوريين. دوافع ذلك عديدة دون ان يكون اي منها مشرّفاً. فالكثيرون يفضلون انتظار نتيجة معركة شد الحبال الجارية الآن في سوريا. ونتذكر في هذا اليساق احدى اشهر المقولات السياسية اللبنانية "اليد التي لا تستطيع كسرها، قبّلها وادع عليها بالكسر".
فبحجة عدم التدخل في شؤون الآخرين، يردد بعض الساسة اللبنانيين من قوى 8 آذار في مجالسهم ما يأتي: "مهما تكن عيوب نظام دمشق، يبقى افضل من وصول حكومة منبثقة من اكثرية سنية الى الحكم". وخطر عقيدة تحالف الاقليات، الغالية على قلوب مناصري 8 آذار، يتمثل بمحاولة احتواء الاكثرية من الاقليات عبر تجييش هذه الطوائف من خلال خطاب متطرف يرتكز على الخوف والحقد، ويعزز هذا بالتالي القيادات التعصبية ويثير ردات فعل متطرفة عند الخصوم. ويُظهر هذا التحليل حدوده في سوريا. فكلما يحاول النظام البقاء في السلطة عبر القمع، تزداد خطورة ردة الفعل لجميع سكان المنطقة، لانها ستكون قد جردت القادة المعتدلين، لدى الاقليات والاكثرية على حد سواء، من صدقيتهم.
الشعوب، تماما كالاشخاص، لا تتقدم الا من خلال تجربتها الخاصة، ولا تتعلم الا من اخطائها. فالشخص الذي يسيطر عليه والداه خلال طفولته ومراهقته وحتى عند بلوغه سن الرشد سيجد صعوبة في مواجهة مشاكله ومسؤولياته عندما يحين الاوان. وكذلك الشعب الذي بقي طويلا تحت الوصاية سيرتكب الاخطاء والزلات غير الضرورية عندما يتحرر من القبضة التي تسيطر عليه. وتبقى الديموقراطية، بالرغم من كل اخطارها وعيوبها، النظام السياسي الافضل: فهي، وإن كانت لا تمنع وقوع الاخطاء على الطريق، إلا انها تسمح بتصحيحها، ما يؤدي على المدى البعيد الى تطور مجتمع ناضج ومستقر.
والقول، كما يفعل مناصرو 8 آذار، إن نظاما كنظام دمشق يجب ان يبقى في السلطة في سوريا لـ"قهر" البعض ولمنع شعب من شق طريقه، امر معيب ولااخلاقي في حق الشعب السوري قبل اي شيء آخر، ناهيك بأنه غير فعال ولا يمكن تحقيقه، لان المحتم سيتحقق عاجلا ام آجلا، والقمع لن يؤدي الا الى زيادة الاحداث المقبلة سوءا. وقد يكبدنا هذا الجنون جميعا خسائر لا يمكن تعويضها. ومن هنا اهمية الخطاب السياسي الذي يرتكز على العدالة والانصاف والقيم الانسانية، والذي يتناسى زواريب الحسابات السياسية الضيقة.
ماذا بعد؟ هناك مشكلة سيكون على كل اللبنانيين الذين يرغبون في اصلاح سياسي مستدام وفي تشييد دولة القانون ان يواجهوها: ما هو مستقبل الذين وصلوا الى الحكم وبقوا فيه بفضل دعم النظام السوري؟ ماذا سيحل بهؤلاء الذين استغلوا السلطة واغتنوا على حساب الشعب اللبناني بكليّته؟
من المحتمل ان ينجحوا بالبقاء في السلطة في ظل خطاب مغاير وتبريرات اخرى. هم يريدون اجمالا اقناعنا "انهم ضحوا بأنفسهم لتجنيبنا الاسوأ"، او حتى "انه الآن وقد غاب الوجود السوري العسكري عنا، ما الضرر في التعاون لترسيخ سياستهم في لبنان؟" وما دفعهم للقيام بذلك هو دائما المصلحة العليا للأمة. فعندما يعتاد شخص على التعامل، يعتاد ايضا على قلب قميصه.
وقد يحصل هذا الانتقال، ويا للأسف، بموافقة غالبية الشعب اللبناني بطريقة او بأخرى، ولأسباب عدة. ولعل السبب الاكثر حساسية هو اجتماعي، لان غالبية اللبنانيين يتمتعون بعقلية "الزلم" وليس بثقافة المواطنين، ولأن ولاءهم هو لطائفة او شخص او عائلة ما (حتى تحت غطاء الاحزاب) وليس لنموذج نظام سياسي او لمثال اعلى. وسيسمح هذا الولاء، المرتكز على نظام الزبائنية، للسياسيين باستعمال اعداد زلمهم للتفاوض في المرحلة الانتقالية.
وفضلا عن ذلك، تقتصر اللعبة السياسية بالنسبة الى غالبية اللبنانيين على انجاح المرشح المفضل لديهم و/أو على اسقاط خصومهم اكثر منه على ايجاد حلول مستدامة لمشاكل اجتماعية واقتصادية. فان ربح الزعيم، فرح الزلم! وان اغتنى، فهو يستحق ذلك اكثر من غيره. نتبع الزعيم، نقطة على السطر.
وهناك من ناحية اخرى اعتراف متبادل بواقع الحال حتى بين الخصوم في السياسة. فسيكون اسهل بكثير، على الذين سيتفوقون غداة تغيير النظام في دمشق، ان يفضلوا التعامل مع اخصام ضعفوا (وغالبا ما يكون سعرهم معروفا) ولكن باتوا معروفين، من التعامل مع موجة جديدة من السياسيين الاصلاحيين.
تاريخنا غني بأمثلة عن الانقلابات والتعاون. ولعل اكثر القصص المسلية واقلها شهرة هي قصة حصلت في بيت العائلة: عام 1943، بعد الانتخابات التشريعية اللبنانية، كانت تركيبة مجلس النواب تؤمن وصول اميل اده الى سدة الرئاسة. وكانت دارته تعج دائما بالسياسيين ورجال الاعمال والاعيان. وفي احد الايام، بينما كان المنزل يغص بالزوار، وصلت معلومات ان بريطانيا، ممثلة بالجنرال سبيرز، قد ترفض الاعتراف بفوز اميل اده. وانتشرت هذه الاشاعة بسرعة كبيرة، حتى ان المنزل فرغ من زواره بأقل من ربع ساعة. فقد سارع الجميع الى المغادرة والذهاب بأقصى سرعة الى الرئيس المقبل، بشارة الخوري، الذي كان يبعد بيته 400 متر. وقد تكرر هناك الكلام عينه الذي شاع قبل اقل من ساعة في دارة اميل اده، بحق بشارة الخوري. وعلى قدر ما كان الكلام تبجيليا من قبل، على قدر ما اصبح قاسيا. والمضحك في الامر هو ان بعضهم غادروا بسرعة لدرجة انهم نسوا معاطفهم وقبعاتهم ولم يتجرأوا على العودة لأخذها، خوفا من ان يراهم احد يدخلون منزل اميل اده، الذي تصرف بكياسة واعادها بلباقة الى اصحابها…
التدوير في السياسة اللبنانية تقليدي ولا يثير الدهشة. فهناك دائما مجال، ويا للأسف، للتوافق بين الاصدقاء والعملاء.