الخميس الأوّل من زمن العنصرة
قراءة من مار يعقوب السّروجيّ (+521) إِنتظارُ موعدِ الآب (نشيد أَحد العنصرة)
صليبُ الآلامِ، قبلَ أَيَّامِ، شتّتَ التّلاميذ، وصعودُ ابنِ إِلى العُلى جمعَهُم. كانوا مُتخوِّفينَ من القتلةِ المُتهدِّدين، مُجتمعينَ إِلى أَن يَتِمَّ الوعدُ.
الأَفاعي ُزمرةُ قيَّافا فحَّت وتوعَّدت، والرُّسلُ الحمائِمُ تَجمَّعُوا في العلِّيَّة. كانوا مُنكمشينَ في العُشِّ المباركِ مرتجفين، منتظرينَ ظهورَ الحقّ.
تمسَّكَ بعضهُم ببعضٍ لئلَّا يتشتَّتُوا، رَيثما يرونَ إِلى أَين يُرسلُ كلٌّ منهُم. أُمروا بأَلَّا يبرحوا أُورشليم، وأَن ينتظروا موعدَ الآب، كما سمعوا.
رافقُوا ابنَ وهوَ صاعدٌ إِلى مقرِّهِ الرَّفيع، وعادوا كٱليتامَى وقد حرموا أَباهُم. شاهدوا حقًّا قيامةَ اﮕبنِ فتعزَّوا بِها، فما كادوا يفرحونَ حتَّى ٱرتفعَ وخلَّاهُم.
فرحَ التَّلاميذُ لأَنُّهم رأَوا رَبَّنا قد ظفرَ على المَوت، وحزنوا لأَنُّه ٱرتفعَ عنهُم. في جبلِ الزَّيتونِ رأَوا السَّحابَةَ تحملُهُ، والهواءَ بجملتِهِ يُطوّفُ بِهِ مبتهجًا مرتهبًا.
والملائكةَ بٱلأَثوابِ البيضاءِ خارجينَ إِلى لقائِهِ، لكي يستقبلوهُ ٱستقبالَ العروسِ في مطافٍ عظيم. عادَ الرّسلُ النُّدامى من الجبلِ إِلى العلِّيَّة، وقعدوا ينظرونَ أَن يفتقدَهُم كما وعد.
جُعلوا قادةً يتوزّعونَ في كلِّ مكان، فٱجتمعوا في مكانٍ واحدٍ إلِى أَن يأَتيهُمْ سلاحُ ابن.
الرّسالة رسل 3: 1-10
شفاء أعرج
1 وكانَ بطرسُ ويوحنّا صاعدَين إلى الهيكلِ لصلاةِ السّاعةِ الثّالثةِ بعدَ الظّهر،
2 وكانَ رجلٌ أعرجُ من بطنِ أمّهِ يحملُ كلّ يوم، ويوضعُ عندَ بابِ الهيكل، الّذي يُدعى البابَ الجميل، ليطلبَ صدقةً منَ الدّاخلينَ إلى الهيكل.
3 ورأى بطرسَ ويوحنّا وهما يهمّانِ بالدّخولِ إلى الهيكل، فأخذَ يتوسّلُ إليهما لينالَ صدقة.
4 فتفرَّسَ فيهِ بطرسُ مع يوحنّا، وقال: "أنظرْ إلينا!".
5 وكانَ الأعرجُ يراقبهما متوقّعًا أنْ ينالَ شيئًا منهما.
6 فقالَ بطرس: "لا فضّةَ عندي ولا ذهب، بل ما هو لي إيّاهُ أعطيك: بٱسمِ يسوعَ المسيحِ النّاصريّ قُمْ وامشِ!".
7 ثمّ أمسكهُ بيدهِ اليمنى وأقامهُ، وفجأةً تشدّدتْ قدماه وكعباه.
8 فوثبَ واقفًا يمشي ودخلَ الهيكلَ معهما، وهو يمشي ويثب، ويسبِّحُ الله.
9 ورآهُ الشّعبُ كلّه يمشي ويسبّحُ الله.
10 وكانوا يعرفونهُ أنّه هو الّذي كانَ يجلسُ من أجلِ الصّدقةِ عندَ بابِ الهيكلِ الجميل، فامتلأوا ذهولاً ودهشةً ممّا حدثَ لهُ.
شرح آيات الرّسالة:
1 رسل 10/3، 30.
يؤلّف المقطع (3/1-4/31) وحدة أَدبيّة هٰذه عناصرها: شفاء كسيح (3/1-10)، وخطبة يشرح بها بطرسُ الشّفاء (3/11-26)، وقَبْضٌ على الرّسل ومحاكمتهم (4/1-23)، وصلاة الجماعة (4/24-30)، وفيض الرّوح ومواصلة التّبشير (4/31). وهٰذا كلّه تتميم لوصيّة يسوع: إشفوا المرضى وبشّروا بالإنجيل (لو 9/2؛ 5/17-26؛ رسل 14/8-20).
بطرس يوحنّا: المقدَّمان بين اثني عشر، على ما يرى لوقا (رسل 1/13). يقوم يوحنّا بدور الصّامت (3/4-12؛ 4/7-8، 13) ممّا حدا بشرّاح إلى الظّنّ بأنّ ٱسمه مزيد على النّصّ الأساسيّ في مرحلة متأخّرة.
صلاة السّاعة الثّالثة: ترجمة أخرى "صلاة السّاعة التّاسعة" أي الثّالثة بعد الظّهر. وهي الصّلاة الثّانية، الّتي يقوم بها اليهوديّ كلّ يوم (دا 6/10؛ 9/21؛ مز 55/18) لدى تقدمة المساء في الهيكل (خر 29/39-42؛ لو1/8-10؛ سي50/5-21). وقد حافظ التّقليد المسيحيّ على صلوات ثلاث: صلاة التّاسعة صباحًا، وصلاة الظّهر، وصلاة الثّالثة بعد الظّهر (رسل 2/15؛ 10/3، 9).
2 رسل 14/8؛ يو 9/1.
الباب الجميل: هو الباب الشّرقيّ، الّذي يتوسّط الأبواب الثّلاثة المؤدّية إلى "باحة النّساء". ويدعى أيضًا "باب قورنتس" لأنّه كان مزدانًا بأعمدة قورنثيّة. الهيكل هنا هو القسم الخاصّ بٱليهود دون سواهم.
4 رسل 6/15؛ 13/9؛ 14/9؛ 23/1.
6 رسل 3/16؛ 16/18؛ 4/10؛ متّى 2/23.
بٱسم يسوع المسيح: صلة ٱسم يسوع العميقة بقوّته ظهرت بعد قيامته (3/16). كان يسوع يعمل بٱسم الآب (يو 10/25)، فصار تلاميذه يعملون بٱسمه. يشدّد لوقا في الفصلين الثّالث والرّابع على العمل بٱسم يسوع (3/16؛ 4/7، 10، 12، 17-18، 30).
8 رسل 14/10؛ لو 7/22؛ آش 35/6؛ يو 5/14.
9 رسل 2/47.
11 يو 9/8؛ لو 1/12؛ 2/9؛ 4/36؛ 5/9.
فٱمتلأوا ذهولًا ودهشةً: تثير المعجزة الحيرة والذّهول في مَن لا يؤمن. الإيمان وحده يكتشف معناها الحقيقي، ويؤدّي إلى تمجيد الله مصدرها (2/11-12؛ 9/35، 42؛ 13/12؛ 19/17-18)، ودون الإيمان تبقى المعجزة غامضة ودون حلّ (2/13؛ 8/13؛ 14/11-18)
الإنجيل
يو 14: 1-7
يسوع طريقنا إلى الآب
1 لا يضطرِبْ قلبُكم! آمنوا بالله وآمنوا بي.
2 في بيتِ أبي منازِلُ كثيرة، وإلّا لَقلتُهُ لكم. أنا ذاهبٌ لاُعدَّ لكم مكانًا.
3 وإذا ما ذهبتُ وأعدَدْتُ لكم مكانًا، أعودُ وآخُذُكُم إليَّ، لتكونوا أنتم أيضًا حيث أكون أنا.
4 وأنتم تعرفون الطّريق إلى حيثُ أنا ذاهب".
5 قال لهُ توما: "يا ربّ، لا نعلَمُ إلى أين تذهب، فكيفَ نقدِرُ أن نعرِفَ الطّريق؟".
6 قال له يسوع: "أنا هو الطّريق والحقُّ والحياة. لا أحد يأتي إلى الآب إلّا بي.
7 إن تعرفوني تعرِفوا أبي أيضًا، ومِن الآن تعرفونَهُ، وقد رأيتموه".
شرح آيات الإنحيل:
1 يو 14/27؛ 10/28-30؛ 16/33؛ 2 أخ 20/17، 20؛ خر 14/31؛ مر 11/22.
لا يضطرب قلبكم: حرفيًّا "لا يضطرب قلبكم"، هنا وفي الآية 27. أعلن يسوع خيانة يهوذا، وذهابه إلى الآب، ونكران بطرس له، وبقاء التّلاميذ وحدهم في عالم يُضمر لهم الشّرّ، فخاف التّلاميذ وٱضطربوا (14/27؛ 16/6، 20). فيسوع يشجّعهم لكي يثبتوا في الإيمان رهن بذهابه، وٱتّحاده بالآب وبتلاميذه ٱتّحادا روحيًّا جديدًا، وبمجيء الرّوح القدس، وحلوله عليهم.
آمنوا بٱلله، وآمنوا بي: أو "تؤمنون بٱلله، فآمنوا بي أيضًا". من الآن فصاعدا يطلب يسوع من تلاميذه أن يؤمنوا به إيمانهم بالآب. هٰذا الإيمان هو الفكرة الأساسيّة في الفصل 14 كلّه.
2 يو 8/35.
بيت أبي: لم يرد هٰذا التّعبير إلّا هنا، وفي (يو 2/16) حيث يعني هيكل أورشليم، مثال الهيكل السّماوي، بيت الآب. ويسوع ذاهب ليعدّ مكانا في هٰذا الهيكل (رؤ 7/15؛ 11/19؛ 15/5-8؛ عب 9/11-12؛ 10/19-21).
منزل: لم ترد هٰذه الكلمة، في العهد الجديد، إلّا هنا، وفي (يو14/23). تلميذ منزل الآب واﮕبن والرّوح القدس، في حياته الأرضية، وبيت الآب منزله بعد الموت: تبدأ حياة السّماء بحضور الثّالوث الأقدس في قلب المؤمن على الأرض. راجع شرح يو 14/23.
وإلّا لقلته لكم: حرفيًّا "وإلّا لقلت لكم". العبارة غامضة، والتّرجمات الممكنة، ٱستنادًا إلى المخطوطات، هي: "وإلّا لقلت لكم أنّي ذاهب لأعدّ لكم مكانا". – "وإلّا لكنت قلت لكم أنّي ذاهب لأعدّ لكم مكانا". – "وإلّا هل كنت قلت لكم أنّي ذاهب لأعدّ لكم مكانا؟". "وإلّا لقلته لكم، لأنّي ذاهب لأعدّ لكم مكانا". وقد آثرنا فصل العبارة "وإلّا لقلت لكم" عمّا بعدها، كأسلم الحلول، ويصبح المعنى: وإلّا لقلت لكم إنّ ليس في بيت أبي منازل كثيرة. وغموض العبارة دليل على خلل في النّصّ الأصلي.
3 يو 7/34؛ 12/26؛ 17/24؛ عب 6/19-20؛ فل 1/23؛ 1تس 4/14.
وأعددت: حرفيًّا "وأعددت لكم مكانًا".
آخذكم إليّ: كان المسيحيون الأوّلون ينتظرون عودة يسوع، وتلاميذه أحياء (متّى 16/27؛ 25/31؛ 1 تس 4/16-17؛ 1 قور 4/5؛ 11/26؛ 16/22؛ رؤ 22/17، 20؛ 1 يو 2/28).والكنيسة لا تزال تنتظر عودة يسوع، في نهاية الزّمان، وإشراكه المؤمنين في مجده الأبدي (14/18، 23، 28؛ 15/26؛ 16/7، 13، 16-23). وكأن يسوع، موسى الثّاني، يحقّق إذّاك خروجًا جديدًا وأخيرًا لشعب الله الجديد إلى أرض ميعاد جديدة في مكلوت الله السّماوي.
4 يو 11/16؛ 13/36؛ 20/24-29.
6 عب 10/20؛ متّى 11/27؛ يو 1/4.
الطّريق: الطّريق الصّعب الطّويل، في الكتاب المقدّس، هو الطّريق إلى أرض الميعاد (تث 1/30-33؛ 2/1-2؛ 8/2-10؛ مز 77/20؛ 136). ثمّ دُعيت التّوراة طريقًا، لأنّها سبيل شعب الله إلى ما وعده به الله (تث 32/4؛ مز 25/10؛ 128/1؛ 147/19-20؛ با 3/13-14، 37؛ 4/1). ودُعي طريقًا، في العهد الجديد، النّهج الجديد الّذي رسمه يسوع (متّى 16/24؛ مر 8/34؛ لو 9/23؛ عب10/20). ودُعيت المسيحية النّاشئة "الطريق" رسل 9/2؛ 18/25؛ 24/22). أمّا في الإنجيل الرّابع، فيسوع هو الطّريق، هو وحي الله الكامل، ومن آمن به، وسار على هدى إنجيله، عرف الله، ولقي وجهه العظيم (يو 10/7-9؛ 1/18؛ 12/45؛ 14/9). يسوع هو الطّريق، وهو الحقّ والحياة: هو الطريق والغاية معًا.
الحقّ: يسوع هو الحقّ، لأنّه يظهر الآب للعالم في شخصه، وفي تعليمه وأعماله. عبّر موسى في التّوراة، عن حقيقة الله، أمّا يسوع فيعبّر عنها في شخصه: إنّه إبن الله المتأنّس (1/18؛ 17/8، 14).
الحياة: يسوع هو الحياة، لأنّه يشرك المؤمنين في حياة الله؛ ولا يشترك في حياة الله إلّا من آمن بيسوع، وحفظ وصاياه (17/3؛ 1/4؛ 3/16؛ 6/40، 47، 63؛ 11/25). في الآيات التّالية لا يشرح الإنجيليّ سوى كلمة "الطّريق" ولذا يرى شرّاح أنّ "الحقّ والحياة" هما شرح للطّريق.
8 يو 8/19؛ 12/45؛ 2 قور 4/4.
أن تعرفوني: أو "لو كنتم تعرفوني"، أو "لو عرفتموني": قراءات أخرى.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقّة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة ,الإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.