يحوّل التلاعب المنفرد بالنِّسب المذهبية الامور الميثاقية الى ملكية خاصة، ويفتح الباب امام تفرد اطراف اخرى لاحقاً بخطوات مشابهة قد تتعدى التوزيع المذهبي داخل كل طائفة الى المساس بالمناصفة بين المسلمين والمسيحيين المعتمدة كمبدأ دستوري.
ويشكل الامر سابقة خطيرة تمس جوهر النظام السياسي لانها تخطت، للمرة الاولى منذ اتفاق الطائف، مبدأ المثالثة ضمن المناصفة، رغم الاشادات المتتالية من المعنيين بـ"مكرمة" رئيس البرلمان نبيه بري او "تضحيته" بمقعد وزاري شيعي لمصلحة السنّة حتى تنجز الحكومة.
وأثارت السابقة خشية كبيرة طاولت حتى ابرز الحلفاء المسيحيين لقوى 8 آذار. فقد سجل رئيس "تكتل الاصلاح والتغيير" النائب ميشال عون "تحفظه على مثل هذه التنازلات في المستقبل" رغم وصفه الخطوة بالامر "الظرفي الاستثنائي". ورأى عضو كتلته وزير الطاقة جبران باسيل ان الحكومة تحمل "عطباً ميثاقياً".
وقد أتى إنجاز الحكومة في توقيت تعتبره سوريا حاسماً. ولا يلغي تشديد رئيس الجمهورية ميشال سليمان على ان الحكومة "لبنانية 100 بالمئة" تزامن موعد ولادتها الواضح مع رغبة سورية استجدت بعد عوامل عدة منها : اعتبار النظام انه نجح في السيطرة مجدداً على بلدة جسر الشغور شبه الخالية من سكانها الذين نزح عدد كبير منهم الى الاراضي التركية الحدودية، انتهاء الانتخابات التركية بفوز حزب رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان الذي مارس ضغوطاً لإلزام النظام بإصلاحات مطلوبة، وفشل مجلس الامن الدولي في إدانة النظام السوري.
وغداة تشكيل الحكومة، شهدت شوارع دمشق امس "مسيرة مليونية" داعمة للرئيس السوري بشار الاسد بعد توقف مسيرات مشابهة جرت لمرة واحدة في اواخر شهر آذار بعد ايام قليلة على بداية حركة الاحتجاج وقمعها الدموي.
ويرى سياسي متابع ان الرئيس الأسد قرر الاستفادة من هذه العوامل ومن فترة السماح التي ما تزال متاحة له، عازياً قراره بقيام حكومة موثوقة الى رغبته في برهنة استمرار نفوذه على اراضي جاره الصغير، خصوصاً بعد فشله في استدراج طلب دولي او عربي للتدخل وبعد تحليلات رأت في تأخر التشكيل دليل ضعف سوري.
ورغم الخلل الميثاقي في تركيبة الحكومة والخلل السياسي الناجم عن غياب تمثيل شريحة كبيرة من اللبنانيين والخلل في التوزيع المناطقي، تتوقع مصادر مقربة من اوساط الرئيس ميقاتي ان لا يتأخر انجاز البيان الوزاري عن الاسبوع المقبل.
وتؤكد هذه الاوساط أن سقف البيان الوزاري هو ما ورد في بيان حكومة الرئيس سعد الحريري بالنسبة للمسألتين الخلافيتين الرئيسيتين: التزام لبنان بالقرارات الدولية وخصوصا المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وثلاثية الشعب والجيش والمقاومة التي تحفظ لـ"حزب الله" استقلالية سلاحه. وتتناسى هذه المصادر ان حكومة الرئيس الحريري كانت حكومة وحدة وطنية فيما الحكومة الحالية هي حكومة اللون الواحد بغياب قوى 14 آذار.
وتذكر بأنه سبق للرئيس ميقاتي ان حدد اثر تكليفه اطر المفاصل الصعبة للبيان الوزاري عندما اعلن ان البنود الخلافية سترحل الى طاولة الحوار وان الحكومة ستتابع الشؤون المتعلقة بإدارة البلد.
ورغم تعليقات دولية وعربية مرحّبة بإنجاز الحكومة، ذكر المجتمع الدولي بأنه ينتظر البيان الوزاري لتحديد موقفه النهائي. واقتصرت اتصالات التهنئة المباشرة على سوريا وايران.
لكن قوى 14 آذار صنفت الحكومة بأنها حكومة سوريا و"حزب الله" رغم "وسطية" الرئيسين سليمان وميقاتي والنائب وليد جنبلاط واعلنت معارضتها "الديموقراطية السلمية" لها.
ومن المتوقع ان تحدد الرغبات السورية سلوك الحكومة استنادا الى المستجدات التي ادت الى ولادتها، بعد اربعة اشهر ونصف الشهر لم تكن دمشق تستعجل قيامها خلالها.
فقد ارادت دمشق إنجاز حكومة موثوقة تعينها على مواجهة الداخل والخارج، وذلك بعد ان خسر نظامها، منذ اندلاع الاحتجاجات على ارضه، صداقاته في العالم العربي (قطر بعد السعودية) كما خسر تركيا بعد فرنسا التي كانت وراء فك العزل الدولي الذي احاط به بسبب اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005.
ومن ابرز مهام الحكومة التي نالت قوى 8 آذار معظم حقائبها السيادية والخدماتية ملء فراغ التعيينات في مناصب الفئة الاولى التي تتحكم بالمفاصل الاساسية للدولة. وهي اتت بعد ان سعى الرئيس ميقاتي عبثا، في فترة السماح السورية، الى تشكيل حكومة غالبيتها من التكنوقراط والمستقلين.
ويبقى السؤال: كيف يمكن لهذه الحكومة ان تكون "حكومة كل لبنان" كما وصفها رئيسها الذي طاولته اتهامات تعدت قوى 14 آذار لتصل الى حلفاء القوى التي كلفته.
فقد رفض النائب طلال ارسلان ان يكون مجرد وزير دولة في الحكومة ووصف الرئيس ميقاتي بانه "كاذب" وبأن تشكيلته تشكل "تواطؤا على الميثاق الوطني والعقد الاجتماعي" واتهمه بـ"التآمر على العيش المشترك". واعتبر الوزير السابق عبد الرحيم مراد ان ميقاتي "تجاوز الدستور" بحرمانه مناطق معينة من التمثيل مثل البقاع لمصلحة ذاتية هدفها تعزيز نفوذه في طرابلس، التي نالت اربعة وزراء اضافة الى الرئيس، لمواجهة "تيار المستقبل".