ليس في حكومة "حزب الله"، أو "المدعو نجيب ميقاتي" كما سماه المير طلال أرسلان، ما يبشر بالخير. وأي خير ينتظره اللبنانيون من حكومة يرعاها "ديكتاتور" يغدق على شعبه المسكين "إجرام" نظامه البائد، كما اغدق طوال 30 عاماً على اللبنانيين "ظلام" وصاية ولى زمانها بفعل "ربيع بيروت" الذي يظلل اليوم ربيع تحرر الشعوب العربية من استبداد أنظمة "الحزب الواحد".
لم يفهم اللبنانيون على رئيس حكومتهم أي وطن يعني بشعاره "كلنا للوطن" بعد أن تألفت الحكومة بـ"كبسة زر" سورية سرعان ما انفرد الرئيس بشار الأسد بمباركتها باتصاله الذي وجه من خلال رسائله إلى المجتمعين العربي والدولي، بأن الحكومة اللبنانية في قبضتي، وبأن أقطابها ليسوا سوى "حجارة شطرنج" أحركهم بـ"الريموت كنترول" ساعة أشاء، وأجبرهم على "التضحية" بمقعد وزاري من هنا وهناك، ولو بعد خمسة أشهر من "مسرحية" أفقدت لبنان مناعته السياسية والإقتصادية والأمنية، فداءً للقائد وللنظام الذي يصارع شعبه، ولا مانع لديه أن يصرع لبنان وشعبه أيضاً.
أما وقد أصبح للبنان حكومة "صنع في سوريا"، أخذت صورتها التذكارية بالأمس، وبمعزل عن كونها "حكومة المحشورين" القائمة على توزيع "جوائز الترضية" كمن "يلحس المبرد"، تبقى المفارقة الأساس التي يتوقف عندها المحلل السياسي الياس الزغبي، ويدعو عرابي الحكومة إلى التبصر بها، أن "الأسد لا يكفل مستقبله في سوريا، فكيف يكفل مستقبل حكومة في لبنان؟"، تماماً كما يؤكد منسق الأمانة العامة لقوى "14 آذار" فارس سعيد أن "حياة هذه الحكومة مرتبطة بمدة حياة النظام السوري التي يبدو من تطور الأحداث أنها باتت قصيرة".
قراءة سعيد والزغبي تلتقي مع تأكيد عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب انطوان زهرا أن "تبيان المسار الذي ستسلكه الأحدات في سوريا كفيل بتبيان مصير هذه الحكومة التي ستسقط حتماً، وفي حالتين لا ثالث لهما: فإذا استطاع الأسد أن يبسط سلطته من جديد، فذلك لن يتم من دون العودة إلى المجتمع الدولي، ما سيدفع الأسد إلى ترتيب أولوياته اللبنانية من جديد، حيث أن حكومة المواجهة لا تخدمه، وبالتالي لن يتأخر في إسقاطها لكسب الرضى الدولي. وكذلك الأمر في حال استمر التدهور في وضع الأسد ونظامه، فلن يكون قادراً على حماية هذه الحكومة التي سينفرط عقدها حتماً، فكيف يدعم حكومة وهو أحوج ما يكون إلى الدعم؟!".
وإذ يرى زهرا "ان حكومة القمصان السود لا يمكن ان توحي بالثقة لا محلياً ولا إقليمياً ولا دولياً"، لكونها "حكومة مواجهة"، يستغرب المراقبون كيف يقول رئيسها نجيب ميقاتي إنها "حكومة إنقاذ"، وإن كانوا يوافقونه الرأي أنها "حكومة إنقاذ سوريا وليس لبنان"، سيما وأن المحلل السياسي سامي نادر يجزم أن هذه الحكومة "ليست عنواناً للإستقرار أبداً، طالما أن النظام السوري أمسك من خلالها بالورقة اللبنانية، لخدمة المصالح السورية في عز حشرته وتضييق الخناق عليه من قبل الشرعية الدولية، ولكن هذه المسألة ستعرضه لمخاطر أكبر، لأنه أمسك الورقة اللبنانية حكومياً وسياسياً ليس إلا، ولم يمسك بها شعبياً"، بدليل تأكيد الزغبي أن "الأسد يمارس لعبة الهروب إلى الأمام، ويورط اللبنانيين معه، بحيث أن ما لا يستطيع أن يفعله في سوريا لحماية نظامه، يحاول يائساً تعويضه في لبنان".
ولا يخفي زهرا ونادر تخوفهما من "عزلة دولية" تنعكس سلباً على الاقتصاد اللبناني، في ظل التحذيرات الدولية بشأن التعاطي مع حكومة ميقاتي التي سميت بـ"حكومة سوريا وحزب الله"، خصوصاً وأن الحزب مدرج على لائحة الإرهاب عالمياً، والنظام السوري غير مرضى عنه دولياً، في انتظار البيان الوزاري الذي يستشف عنوانه من تصريحاتهم، لا سيما في موضوع المحكمة الدولية التي تزعج "حزب الله" كما "السوري"، وما يتردد عن "صيغة مبهمة" حولها، تمهيداً للإنقضاض على بروتوكول التعاون الموقع بين لبنان والمحكمة.
واكثر من ذلك يشير زهرا إلى أن "المخاوف من عزلة دولية مردها إلى أن أي عقوبات ستفرض على النظام السوري، سواء سياسية أو إقتصادية، سيوعز هذا النظام لحكومته في لبنان بعدم الإلتزام بها ومواجهتها، ما سيرتب على لبنان تداعيات خطيرة جداً". وهنا يكمن السؤال: "ماذا تستطيع أن تقدم حكومة لبنان لنظام يواجه مصيره؟".
انتصارات وهمية
إذاً، ولدت حكومة "بشار الأسد" و"حزب الله" بعد نحو 5 أشهر من المخاض العسير، وبدا واضحاً أن "حزب الله" أشرف على "تلغيم" الحكومة "ميثاقياً" من خلال سبعة وزراء للسنّة وخمسة للشيعة، بعد أن أحكم القبضة على خيوطها، لتخرج الحكومة "بشكل مريب عجيب" يصب في نهاية المطاف في خدمة مشروع "حزب الله" بصفته مايسترو "8 آذار"، إذ يرى الزغبي "أن ما قيل عن تضحية من قبل "حزب الله" والرئيس نبيه بري هي تضحية صورية خادعة، طالما أن معظم الوزراء هم جنود لدى "حزب الله"، بمن فيهم حصة بري، لكن خطورة الأمر تكمن في هز الوجود الكياني لاتفاق الطائف المبني على المناصفة، من خلال الإستناد إلى هذه السابقة بالتضحية لتحقيق مكاسب سياسية في المستقبل".
وبنظر سعيد فإن "حزب الله" هو "الرابح الأكبر إسلامياً، فيما ميشال عون هو الرابح الأكبر مسيحياً. أما ميقاتي والرئيس ميشال سليمان فهما في دائرة الأقلية، ولا يملكان القدرة على لعب دور الحكم أو بيضة القبان، لأنهما أقلية في حكومة محكومة باعتبارات "حزب الله" وحاجته إلى حكومة تحمي سلاحه من قرارات الشرعية الدولية".
ويؤكد أن "عون يتعاطى مع التأليف الحكومي من منطلق انتخابي بحت، ويحاول أن يقول للرأي العام المسيحي أنه انتزع حصة الأسد وما لم ينتزعه أي من المسيحيين طوال فترة ما بعد الطائف، بمعنى انه يحاول تثمير حصته الحكومية في إنتخابات 2013، ولكن سعيد يجزم بأن "هذا الاستثمار الرخيص والمستهلك لن يمر على الرأي العام المسيحي، الذي يدرك جيداً دقة المرحلة، بحيث أن أولوياته اليوم وطنية بحت وليست انتخابية آنية، وبالتالي ليس بانتظار من يقدم له خدمات انتخابية بقدر ما هو مستعد لمواجهة مخاطر إعادة عقارب الساعة إلى الوراء".
وإذ يصف نادر ما يقوم به عون بـ"إدعاء إنتصارات وهمية"، يلتقي زهرا مع سعيد على تأكيد "أولويات الرأي العام المسيحي اليوم"، ويشير إلى أنه "مهما فاخر عون بما يدعيه من انتصار حكومي، فالتجربة أكدت أنه وتياره لا يملكون مشروع سلطة، بل هم سلطويون بممارستهم، ما ينعكس تراجعاً في التأييد الشعبي، وأكبر مثال على ذلك، تجربتهم في البترون مع الوزير جبران باسيل، حيث كانت نتائج الانتخابات في العام 2005 للتيار الوطني الحر أفضل بكثير مما كانت عليه في انتخابات 2009 بعد توزير باسيل".
انتفاضة لإسقاط الحكومة
أما وأن الحكومة باتت أمراً واقعاً، وتنذر بتداعيات كارثية على لبنان، وتهدف بحسب سعيد إلى "إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، إلى ما قبل ثورة الأرز، بغية إغراق لبنان تحت وطأة سلاح "حزب الله" من جهة، وجعله رهينة استبداد النظام السوري من جهة ثانية"، فإن زهرا يؤكد أنها "لن تنجح في الحكم، وسنتصدى لها سلمياً وديموقراطياً".
وعن سبل المواجهة، يشدد منسق الأمانة العامة لـ"14 آذار" على ضرورة أن لا تكون "تقليدية وكلاسيكية بعناوين ميثاقية، إدارية ورقابية" على شاكلة "حكومة ظل وما شابه"، لأنها لن تشفي غليل أحد، بل يجب أن تكون مواجهة سياسية تبدأ بتشكيل انتفاضة سياسية مدروسة تتيح للبنانيين إعادة تثبيت ثوابتهم الوطنية، واحترام دماء شهدائهم، والمضي قدماً في مسيرة تحرير الدولة وبنائها". ويؤكد أنه "بقدر ما تكون الإنتفاضة ضد الحكومة مدروسة ومنظمة ضد نظام الأسد وضد "حزب الله"، بقدر ما ستكون قادرة على إسقاط هذه الحكومة، إذا لم تسقط لوحدها مع الوقت، طالما أن مدة حياتها مرتبطة بمدة حياة النظام السوري".
في المحصلة، يؤكد الزغبي أنها "حكومة تحمل من ذاتها بذور سقوطها وعوامل انهيارها، بخلاف كل الترويج أنها باقية حتى انتخابات 2013، سيما وأن هذا الترويج لا يستقيم إذا أخذنا بعين الإعتبار أن القوى التي انتجتها معرضة لانهيارات مقبلة تبدأ من النظام السوري وتأزمه الداخلي الذي يتأرجح بين الموت الرحيم والسقوط العظيم".