لو نطق طه ميقاتي لتولّى هو الردّ على ما قاله رئيس الجمهوريّة بأنّ الحكومة ولدت لبنانيّة مئة بالمئة، وبأنّ سوريا لم تتدخّل لتشكيلها.
فموفد رئيس الحكومة إلى دمشق الذي التقى الرئيس السوري سمع الكلام الحاسم والنهائي غير المغلّف بالتمنّيات، طلبا إلى الرئيس ميقاتي أن يشكّل الحكومة أو أن يعتذر.
وما احتاج لقاء الموفد مع الرئيس الأسد أكثر من نصف ساعة لكي يوصل الرسالة، ولمّا حاول أن يقول بأن لا بدائل عن شقيقه، كان الجواب بأنّ البديل دائما جاهز، وبأنّ الرئيس عمر كرامي يمكن أن يشكّل الحكومة، وبأنّ من يعرقل تشكيل هذه الحكومة إنّما يكون قد وضع نفسه في مواجهة سوريا التي تعتبر أنّ عدم التشكيل بات مصوّبا ضدّها.
بعد عودة الموفد الشقيق إلى بيروت، استحقّ الرئيس ميقاتي الاستحقاق الذي فرض عليه وقرّر أن يشكّل الحكومة، لأنّه لم يعد يستطيع مواجهة الإرادة الثنائيّة لحزب الله والقيادة السوريّة بضرورة التشكيل، هذه الإرادة التي وضعت كلّا من ميقاتي ورئيس الجمهورية أمام خيارات ليس لديهما القدرة والنيّة على مواجهتها.
وقد كان لقاء النصف ساعة أشبه بالإنذار، تحذيرا من الخروج عن الطاعة، في وقت لم تعد فيه القيادة السوريّة ترى من فائدة من استمرار طرح ورقة التشكيل أو عدمه في سوق التفاوض مع المملكة العربية السعودية ومن وراءها، وهكذا ولدت حكومة سوريا في لبنان من دمشق، وخُيّل للبعض من بيروت أنّها حكومة لبنانيّة مئة بالمئة.
واللافت في مسار الولادة المتعثّرة أنّ حرص بعض الأطراف اللبنانيّين على إبعاد هذه الحكومة عن شبهة الدور السوري الحاسم من الولادة، لم يكن يقابله الحرص السوري نفسه، لا بل إنّ كلّ ما قامت به القيادة السورية من خطوات خلال الأيّام التي سبقت وأعقبت التشكيل الحكومي دلّت على أنّ هذه القيادة أرادت أن تقول للعالم أجمع بأنّ هذه الحكومة هي صناعة سوريا، وأنّ المرسوم الفعلي صدر من قصر المهاجرين قبل أن تتمّ طباعته في قصر بعبدا، ولا تعود هذه المجاهرة إلى أسباب للسطحيّة، بل ترتبط بالرغبة في استعمال الورقة اللبنانيّة لمواجهة الأزمة الداخليّة، عِلما أنّ هذه الورقة استعملت منذ الأزمة من خلال تحريك بعض الملفّات الأمنيّة كقضيّة الأستونيّين، وتفجير اليونيفيل، ومظاهرة الحدود التي دبّرت على عجل لحَرف الأنظار عن الأزمة التي يعيشها النظام السوري.
وإذا كان الوصف الدقيق لهذه الحكومة، بأنّها أعادت النفوذ السوري إلى مرحلة ما قبل العام 2005، فإنّ الأدقّ هو أنّها أعادت هذا النفوذ إلى مرحلة ما قبل 13 تشرين 1990، ولكن هذه المرّة أعادت هذا النفوذ بالشراكة بين حلفاء سوريا وبين من يدّعون تمثيل رمزيّة ذاك اليوم الذي شهد افتتاح حقبة الوصاية السوريّة من دون عوائق من العام 1990 حتى العام 2005.
غير أنّ النفوذ السوريّ العائد لن تكون له فرص النجاح ذاتها التي كانت له في العام 1990، فحينذاك كان النظام السوري جزءا من منظومة إقليميّة محصّنة، وكان امتداد نفوذه في لبنان يحظى بمباركة أميركيّة ولا مبالاة عربيّة وصمت أوروبّي، لا بل كان ينظر إليه دوليّا على أنّه مكافأة مُحقّة للنظام الذي شارك في حرب تحرير الكويت، أمّا اليوم فإنّ هذا النظام الذي أعاد قلب الحقائق منذ خمسة أشهر حين أسقط حكومة سعد الحريري، والذي كرّسها بعمليّة قيصريّة منذ أيام، أدّت إلى تشكيل حكومة وفق أجندة المواجهة مع جزء كبير من الداخل اللبناني ومع القوى الإقليميّة والعربية المؤثرة ومع الولايات المتّحدة وأوروبا، هذا النظام يلعب بشكل شبه منفرد ورقة لم تعد مطروحة في سوق التداول الدولي، ذلك على الرغم من أنّ صانعيها يشعرون بأنّهم خطفوا انتصارا كبيرا قبل نفاد الوقت الضائع.