بدأ العمل على مفهوم <الدولة الفاشلة> بلبنان منذ العام 1995 عندما جرى التمديد للرئيس الياس الهراوي· وبلغ الأمر ذروته بصدور القرار رقم 1559 عام 2004، والذي نصّ فيما نصّ عليه على إجلاء كلّ القوات الأجنبية عن لبنان، وعدم وجود السلاح بالداخل اللبناني إلا بأيدي القوى المسلّحة الشرعية، وانتخاب رئيس الجمهورية بلبنان بحسب الدستور وبدون تدخُّلات خارجية· وهكذا فإن القرار ذكر <معالم> للدولة الفاشلة: وجود القوات الأجنبية على أرضها لأي غرضٍ كان، ووجود السلاح بأيدي تنظيمات لا تخضع لسلطة الدولة، ووجود تدخُّل في المؤسسات بما يفسدُ عليها عملها وسواء أكان ذلك من الداخل أم من الخارج· وقد استطعنا في العام 2005 على أثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري وخروج القوات السورية من لبنان، أن ننقل الوضع من البحث في لبنان باعتباره دولةً فاشلةً، إلى وضع <الدولة المغلوبة على أمرها>، والتي يمكن بالعناية والجهد والمساعدة العربية والدولية، أن تخرج إلى سكّة السلامة، وللجهتين: سيطرتها الكاملة على أرضها من خلال مؤسّساتها الدستورية، وعدم تبعيتها سياسياً أو عسكرياً للخارج استعماراً أو حمايةً أو تغلُّباً· بيد أنّ الأمر ما طال على هذه الاستقلالية المستأنفة، فقد أطلق حزب الله (وبناءً على قرار إيراني/ سوري) حرباً على إسرائيل، ردّت عليها بنشر الخراب في لبنان، فعاد لبنان ساحة صراعٍ على مستوى المنطقة· وظلَّ المَعْلَم الأخير للشرعية اللبنانية استمرار حكومة فؤاد السنيورة إلى أن أسقطها مسلّحو حزب الله وحلفاؤهم باحتلال العاصمة اللبنانية بيروت في 7 أيار 2008· وها نحن ومنذ ذلك الحين فد عُدْنا للاستمتاع بكلّ خصائص الدولة الفاشلة: قوات أجنبية (إسرائيلية) على أرضنا، وأمن سوري، وميليشيات فلسطينية ولبنانية مسلّحة، وجيش وقوى أمنية عاجزة، وتعطُّل مؤسسات الدولة وظهور مؤسّسات مُوازية·
كان هدف الرئيس بشار الأسد منذ خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005 العودة إليه مظفَّراً· وما تمكَّن من ذلك، لا بمخاصمة السعودية، ولا بإظهار الودّ لها· فاكتفى بممارسة هذا الدور من طريق تحالُف حزب الله/ عون· ثم أُرعب وليد جنبلاط للالتحاق بهم· وهكذا ظهر هذا المعسكر الذي ما عاد مضطراً لتبرير كلّ ممارساته بضرورات المقاومة والتحرير· لقد قاموا بالانقلاب على حكومة <الوحدة الوطنية> التي شكّلها سعد الحريري معهم، واستمهلهم الأسد في التشكيل الجديد رجاءَ التساوُم معه على صفقةٍ ما تغيَّرت النظرة إليها حتى بعد الاضطراب في سوريا، إذ اعتبر النظام السوري أنّ التريُّث في لبنان يُعينُ على بقاء الصمت العربي على تصرفاته وتصرفات إيران وحزب الله· ثم إنه ما كان يتوقّع أن يتحوّل تمرد درعا وبانياس إلى ثورةٍ شعبيةٍ عارمةٍ ليس لها مثيلٌ في سوريا غير الثورة على الفرنسيين في العشرينات من القرن الماضي· هاج الدوليون لسوء الحظّ أولاً، ثم بدأ الرأي العامُّ العربيُّ يضغط على سلطاته لرفع الصوت في وجه الطغيان على الشعب العربي في سوريا·
لقد اقتنع النظام السوري، كما اقتنع الإيرانيون، أنّ سلطانهم في العالم العربي إلى زوال مهما قمعوا وقتلوا، ولذلك قرر النظامان مواجهة الجمهور العربي في كل مكان: بالتعاون على القمع والتهجير والاعتقال والتعذيب في سوريا، وبدفع العراق لدعم النظام السوري في مواجهة شعبه إن أمكن، وبإقامة حكومة اللون الواحد في لبنان، لإحكام القبضة على المؤسسات، ومواجهة العرب، والتصدي لأردوغان الذي توعَّد النظام السوري بالحرية القادمة إلى دمشق وبيروت! وهكذا ظهرت حكومة الأسد والحزب في لبنان، بوصفها جزءاً متبقياً مما قبل ميدان التحرير، ومما قبل درعا وبانياس· ثم إنها نفخٌ في البوق الذي يُوهِمُ أنّ هذه هي الطريقة لحماية الأقليات، وحفظ سطوتها التي سادت على مدى أربعة عقودٍ ونيّف·
إنّ الحكومة اللبنانية الجديدة هي حكومة الأسد والحزب· وهي حكومةُ مواجهةٍ للثورات العربية والتغيير العربي· والشريكان الجديدان (ميقاتي وجنبلاط) في تركيبة السطوة والقمع والانتقام ومواجهة الجمهور العربي، فاشلان بالمعاني الأخلاقية والوطنية والسياسية· هما فاشلان بالمعنى الأخلاقي لتحالُفهما بالداخل والجوار مع النظام السوري الذي يقمع شعبه ويقتله ويُهجّره· وهما فاشلان بالمعنى الوطني، لأنهما يُفاقمان الحملة على المؤسسات، وتصفية الدولة اللبنانية· ثم إنهما خائبان بالمعنى السياسي لأنهما يدخلان في تحالفٍ أقلّوي لمواجهة الثورات العربية والتغيير العربي إلى جانب الحزب وعون والإيرانيين والنظام السور