رسائل ومحاذير خارجية في ملابسات تأليف الحكومة
الموقف الدولي من سوريا رُبط بلبنان
أخذت ولادة الحكومة موقعها في سياق التطورات السورية على وقع" الهجوم" المضاد الذي بدأه الرئيس السوري على جبهات عدة من اجل اثبات امساكه بناصية الامور في سوريا عسكريا وامنيا من خلال عملية جسر الشغور وما ادت اليه وصولا الى تجييش سوري مؤيد له غاب عن الواجهة لما يزيد على شهرين على وقع تقدم تظاهرات المعارضين وصولا الى ايفاد مسؤولين سوريين كبار للقاء المسؤولين في العاصمة التركية بدلا من انتظار وصول وزير الخارجية التركي داود اوغلو الى دمشق وفق ما كان مقررا من اجل اقناع الاتراك بحاجته الى مزيد من الوقت من اجل القيام بالاصلاح واقناع الغرب بذلك. وجاء الضغط من اجل اخراج الحكومة اللبنانية الى النور بسرعة مهما كان الثمن مرتبطا باطار توجيه رسالة ان النظام السوري لا يزال يمسك بزمام المبادرة، وانه ونجا من مفاعيل الصدمة التي احدثتها التحركات الشعبية في المناطق السورية فضلا عن الايحاء باستمرار النظام قويا والتصرف في الموضوع الحكومي اللبناني في الوقت الذي يحدده هو. والضغط السوري في اتجاه اعلان الحكومة اللبنانية لمسه المراقبون الديبلوماسيون مباشرة كما من خلال ملاحظتهم اجماع الاعلام اللبناني الموالي والمعارض على غير عادته على الاشارة الى تدخل النظام السوري في موضوع اخراج الحكومة الى النور، بما يعكس مؤشرات رغب الاسد في توجيهها الى الخارج عبر ذلك.
في موازاة ذلك بدت الرسالة ببعد آخر هو ان التعامل السوري مع موضوع الحكومة اللبنانية وفق ما اتبع خلال فترة الوصاية السورية على لبنان قبل عام 2005 لا يزال هو نفسه من دون اي تغيير بما يؤكد الانطباعات القوية الشائعة منذ اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا عن صعوبة التغيير لا في داخل سوريا ولا عبر الحديقة الخلفية التي يعتمدها لتوجيه الرسائل ايضا اي لبنان. فهذا الانطباع سرى حين اسقط الاسد حكومة الرئيس سعد الحريري في لحظة تسجيل انتصار انتقامي لخروج سوريا من لبنان واعادة الامساك بالقدرة على التحكم به بدلا من صوغ علاقة جديدة كان يمكن ان يربح من خلالها جميع اللبنانيين وليس الاكتفاء بحلفائه فقط. والامر نفسه تكرر في تأليف حكومة يفيد مطلعون ان الاسد لجأ الى رئيس مجلس النواب نبيه بري من اجل المبادرة الى اخراجها ولذلك خرج "الارنب" من كم بري لان الرئيس نجيب ميقاتي كان متأنيا على نحو دقيق في اعلان تأليف حكومة تتصف بالمواصفات التي خرجت بها. فهذه الحكومة تظهر ان الاسد لا يتنازل وهو في موقع ضعف او هو يوحي بذلك وان تبدل او ادخل تغييرات اصلاحية في بلاده.
وما جرى على الاقل بالنسبة الى لبنان يكتسب مفاعيل اولية مباشرة من بينها تقديم خدمة قوية للمعارضة في الداخل لان ذلك يسهل توجيه انتقادات الى الحكومة يمكن ان تتماهى مع الموقف مما يجري في سوريا ايضا في ظل دعم معروف للمطالب الشعبية الاصلاحية في سوريا. فالحكومة لم تكن مفاجئة الا بمقدار ما كان يتعين على لبنان مواكبة التطورات في المنطقة بما يجعله اكثر تحصينا وليس اكثر هشاشة. وتاليا فهذه حكومة باتت معارضتها سهلة جدا بعبارات يمكن ان تكون مبررة في تفاوتها بين حكومة "مواجهة " وحكومة "سورية" او حكومة "حزب الله" او حكومة اللون السياسي الواحد باعتبار ان كل هذه المواصفات واقعية. اضف الى ذلك وجود ثغرات بتعيين وزراء في مراكز حساسة ومهمة يجدها سياسيون في الاكثرية الجديدة نفسها التي تشارك في الحكومة انها اكبر من قدراتهم بكثير وتوزيرهم ينطوي على استخفاف كبير من جانب السياسيين الذين سموهم ايضا. اضف انها ارتبطت بالسياسة الداخلية السورية من خلال اندراجها في سياق رسالة الاسد عن عودته الى الامساك بزمام الامور مما يعني ان الانتقادات للحكومة ستستبطن انتقادات ايضا للنظام السوري في الوقت الذي طرأ تغيير جوهري على موقعه والتمايز الذي حصل بين النظام والشعب في سوريا. وحين تقول دول غربية انها ستحكم على افعال الحكومة، ففي اذهانها راهنا واكثر مما كان حين اسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري الموضوع السوري بحيث ان ما سيكون عليه الموقف الدولي من سوريا سينسحب على لبنان.
الامر الآخر وقد يكون مفيدا هو ان هذه الحكومة ستكون مسؤولة عن الامن والاستقرار بحيث ان ليس من مصلحة قوى الاكثرية الجديدة او النظام السوري تحريك الامن بمعنى ان هذين العنصرين هما ما ستجري محاولة كسب هدوء العالم الغربي على اساسه نظرا الى اهميتهما في المعطى الخارجي.