"إذا دخل الجيش الى السياسة فسد الجيش وفسدت السياسة"
يقول د. روستو: "كان الشرق الأوسط أكثر مناطق العالم عرضة للغزو العسكري عبر التاريخ، كما أن معظم دوله قامت نتيجة للفتوحات، وقد كان للأعمال العسكرية دور كبير في معظم التغييرات التي طرأت على نظم هذه البلاد، والثقافة التقليدية للمنطقة مستمدة من دين يضفي على الأعمال العسكرية هيبة وشرعية، كما أن الجهود التي بذلت لتحديث الثقافة التقليدية عززت بشكل مباشر أو غير مباشر الدور القائد للقوات المسلحة ورجالها. لذلك فإن هذا الدور ليس أمراً عارضاً مخالفاً لوضع دستوري طبيعي، بل هو وضع تاريخي وطبيعي، وأكثر من ذلك، فإن الفترات العرضية التي شهدت حكومات سلمية ودستورية بقيادات مدنية ينبغي اعتبارها حالات استثنائية أما نجاح النظام العسكري فهو يعتمد على قدرته على إقامة أو السماح بقيام مؤسسات مدنية دستورية تحد من سلطة المؤسسة العسكرية، يعني إقامة نظم سياسية لا تتحول مؤسساتها الى أبواق دعاية للحاكم".
في 17 تشرين الثاني 1958، أذاع راديو الخرطوم البيان رقم واحد لرئيس الأركان السوداني "ابراهيم العبود" وكان يبرر انقلابه بالقول: "ونتيجة لذلك ومن المسلك الطبيعي أن ينهض الجيش ورجال الأمن لايقاف هذه الفوضى ووضع حد نهائي لها!"، في نيسان 1949 وبعد أيام من انقلاب "حسني الزعيم" في سوريا كتب أحد الصحافيين قائلاً: "إن الانقلاب كان المسار الطبيعي للبلاد".
وفي سنة 1962، وبعد انقلاب عبدالله السلال في اليمن، بشّر عبدالناصر بسلال سعودي وسلال أردني "يقتلعان الحكم الملكي في هذين البلدين". وكان الرئيس جمال عبد الناصر نفسه أكد على طليعية القوات المسلحة في قيادة الثورة العربية في كتابه "فلسفة الثورة" بقوله "كان الموقف السائد هو الذي فرض على الجيش أن يكون وحده القوة القادرة على العمل، فالحوادث وتطوراتها هي التي حددت للجيش دوره في الصراع لتحرير الوطن، هل كان يجب أن نقوم نحن الجيش بالذي قمنا به في 1952، لماذا وجد جيشنا نفسه مضطراً للعمل في عاصمة الوطن وليس على حدوده؟ كنا نشعر بأن هذا الواجب هو واجبنا، وأننا إذا لم نقم به نكون كأننا قد تخلينا عن أمانة مقدسة أنيط بنا حملها".
قد يكون ما سبق بعض الأسباب، ولكن الأسباب التاريخية وحدها لا تكفي لتفسير هذه الظاهرة لعلمنا أن الدول الغربية، وبالأخص أوروبا لها أيضاً تاريخ من الأعمال العسكرية الكبيرة، وبعض القادة الكبار كالاسكندر المقدوني وبعض القادة الرومان، وصولاً الى نابليون، حظوا بالكثير من الأمجاد المحلية والعالمية في فترات من الزمن.
ولكن القاسم المشترك لوباء الانقلابات العسكرية حسبما يبدو هو ضعف السلطة المركزية لعدم ارتكازها على حكم المؤسسات وعلى الشرعية الوطنية من خلال صناديق الاقتراع وعلى اقتصاد ضعيف وتفكك في التركيبة الاجتماعية والطبقية مما يجعل الجيش عادة القوة الوحيدة المنظمة القادرة على تولي نوع من السلطة، خاصة في الأيام أو الأسابيع الأولى التي تلي الانقلاب. وهذه تكون عادة الفترة الحاسمة لتركيز الحكم.
ولكن، بالاضافة الى كل ذلك، فإن عاملاً نفسياً مهماً قد يكون أحد الدوافع لسعي العسكري الى السلطة من ضمنه أحقاد ودونية موروثة من واقعه.
منذ الانقلاب الأول في العراق الذي قاده بكر صدقي سنة 1936، مروراً بكل القادة الميامين الذي أتوا بثوراتهم المزيفة من على ظهور الدبابات، نمط واحد حكم مجتمعاتنا هو نمط الخطابات العنترية ووقفات العز الكاذبة والوعود بليّ أذرع إسرائيل والمخابرات الأميركية، والكلام الفارغ عن الحرية والكرامة، وكانت في يوم تداس كرامة المواطن وتعتقل حريته ويصادر حتى فكره لدرجة أصبح هو أسير ذاته يمارس مختاراً الرقابة الذاتية على نفسه وعلى أسرته مما خلق أجيالاً من الفكر المعلب والخائف دائماً من زلة لسان قد تودي به الى المهالك.
كل ذلك اليوم يبدو أنه قد أصبح من الماضي بعد أن كسر شعبنا حواجز الخوف وتمكن من بناء طبقة يجمعها الشعور بقيمة الفرد ويدفعها الإحساس بالقدرة على التغيير.
ولكن الصفة الجامعة أيضاً للحكام من أصحاب النجوم والنياشين هي المكابرة والتباري في ما بينهم على من يمكنه الصمود أكثر من حساب دماء المواطنين وتلكؤ العالم في مواجهته.