كتبت رلى موفّق في صحيفة "اللواء": في لحظة صفاء الروح والذات ولا سيما في رحاب الله، يقوم المرء عادة بجردة حساب. ومما لا شك فيه أن هذا ما فعله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي حين قصد مكة المكرمة لأداء العمرة بعدما صدرت الاثنين مراسيم التشكيلة الوزارية… استذكر النوايا ؟
الثوابت التي كان أعلن مراراً التزامه بها وقارنها بالأداء الذي جسّدته التركيبة الحكومية. استعرضها بينه وبين خالقه، محّص في الأسماء والأحداث والوقائع. دقّق بالتوقيت والظروف والأهداف، ليستخلص ما يمكن استخلاصه… والغاية إراحة الضمير.
وبالتوازي، كان حلفاء ميقاتي وخصومه السياسيون، ومن بينهم قوى الرابع عشر من آذار التي أضحت اليوم رسمياً المعارضة اللبنانية يُقيّمون الحدث اللبناني وتداعياته ويخرجون باستنتاجات لرسم معالم المرحلة المقبلة.وهكذا كان واقع حال مراكز قرار عربية ودولية مع فارق التوقيت الزمني.
في استنتاجات المعارضة الجديدة أن الانقلاب السياسي الذي حصل بإسقاط حكومة سعد الحريري استُكمل اليوم. فيوم أطاح حزب الله بالحكومة، كانت المحكمة الدولية هي العنوان الظاهر للمواجهة على خلفية القرار الاتهامي. وظنّت قوى الرابع عشر من آذار أن "حزب الله" وحلفاءه قرروا مواجهة المحكمة من خلال تشكيل تركيبة حكومية جاهزة لديهم ويُمسكون بقرارها. فإذا بهم يستنتجون لاحقاً أن خطة هؤلاء للمواجهة هي الفراغ الحكومي الذي يؤمّن لهم هامشاً لاتخاذ الخطوات المناسبة لما بعد صدور القرار.
غير أن الأحداث التي داهمت دمشق غيّرت في المسار لجهة استخدام "الورقة اللبنانية" لاستدراج عروض توفّر حماية للنظام الذي يواجه تحديات على وقع الثورات العربية، إلا أن هذا لم يلق آذاناً صاغية من الجهات العربية والدولية المعنية بالمساومة المطروحة.
وفيما كانت تحليلات قوى الرابع عشر من آذار تذهب في اتجاه استحالة تشكيل حكومة ميقاتية من لون واحد بالطبعة الأولى التي كان يتم الترويج لها، وفيما كانت أوساط حليف ميقاتي النائب وليد جنبلاط تؤكد أن الرئيس المكلف، بات بفعل التطورات العربية، في وضع مريح ولن يحيد عن الثوابت التي رسمها، انقلب المشهد فجأة حين صدر القرار السوري بالتأليف.
وتدفع ظروف التأليف قوى المعارضة الجديدة إلى اعتبار أن عمر الحكومة الميقاتية مرهون بالتطورات في سوريا. كما أجندة عملها، الأمر الذي سيضع لبنان أمام جملة تحديات ومخاطر. وفي مقدمها مواجهة المجتمع الدولي، ولا سيما أن لبنان عضو في مجلس الأمن، وسيدفع ثمن المواقف التي سيأخذها إذا ذهب في منحى صدامي مع القرارات الدولية ولم يلتزم الشرعية الدولية.
وفي الاستنتاجات أيضاً أن ميقاتي لم يستطع التزام الثوابت التي كان أعلنها حول التركيبة الحكومية. فكيف يمكن أن يكون هناك تقييم ايجابي لحكومة سلّم فيها رئيسا الجمهورية والحكومة مفاصلها الأساسية لحزب الله وحلفائه بدل أن تكون بيد المجموعة الوسطية التي كانا وجنبلاط يتباهون بها، ولا سيما أن رسائل دولية عدة وصلت إلى هؤلاء عن أهمية عدم سقوط الوزارات الحسّاسة في يد قوى 8 آذار. فالوزارات الأمنية من دفاع وداخلية التي اتفق في الدوحة أن تكون في يد رئيس الجمهورية آلت إلى حلفاء "حزب الله"، ولا يعير أحد وزناً للكلام عن مناصفة بين الرئيس ميشال سليمان والعماد ميشال عون في الداخلية. كما أن وزارة العدلية التي ترتبط في جانب كبير منها باستحقاقات المحكمة الدولية أضحت في يد الحليف الأمين لحزب الله، فضلاً عن وزارة الاتصالات التي نجح الحزب سابقاً من وضع اليد عليها بالواسطة.
فحين تكون الأجهزة الأمنية برمتها والاتصالات والأجهزة القضائية في يد فريق سياسي من لون واحد لا يخفي أهدافه، يطرح السؤال كيف يمكن أن يُطمئن رئيس الحكومة فريق المعارضة الداخلية والمجتمع الدولي بشكل عام، وكيف سيواجه حين يصدر القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ولا سيما ان خطة <حزب الله> مواجهة هذا القرار بفراغ حكومي لم تعد متوافرة؟ ويصبح المشهد أكثر ضبابية مع واقع أن الوزارات المعنية بالمحكمة الدولية ليست في أيدي وزراء مستقلين، بل في يد أشخاص يناصبون العداء علناً لقوى 14 آذار والمحكمة الدولية. وتراقب المعارضة الجديدة ومعها العين الدولية كيفية تعاطي الحكومة الجديدة مع فرع المعلومات بوصفه الجهاز الأمني الذي كان لا يزال حتى اليوم خارج إطار سيطرة المنظومة الأمنية لحزب الله، والذي سيكون المستهدف الأول في الإجراءات الجديدة، من زاوية إضعافه ومحاصرته وصولاً إلى الإمساك به.
والسؤال الاستطرادي أمام ميقاتي الذي لا يترك مناسبة إلا ويؤكد رفضه الكيدية السياسية او الانتقامية هو: كيف سيتصرف حيال جموح رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشال عون للانتقام والمحاسبة ونبش القبور للحقبة الحريرية، متناسياً أن لبنان كان يئن من سطوة أرباب النظام الأمني السوري عليه اقتصادياً ومالياً وإدارياً في فترة وصايتهم. فالتصور لدى المعارضة الجديدة أن عون سيتكفّل بملف "الثأر السياسي" بالنيابة عن حلفائه لإبعاد أي تأثيرات مذهبية عن هذا الملف.
هذه القراءة وما معها من استنتاجات لا تضع المعارضة الجديدة فقط أمام تحديات، بل تؤشر إلى مستوى الضغط والوضع الصعب الذي سيكون عليه رئيس الحكومة أمام الشارع اللبناني وتحديداً السني، والشارع العربي المعتدل مع احتدام المواجهة الإقليمية مع سوريا، وأمام المجتمع الدولي حين تبدأ الترجمات العملية للضغوطات عليه في السياسة وعلى شبكة أعماله في الخارج.
حتى الآن لم تنجح الأكثرية القديمة في فك "لغز انقلاب" ميقاتي على الحريري وما يمثله محلياً وعربياً ودولياً، فأن ينسب ذلك إلى الطموح السياسي للرجل ليس مقنعاً، في لحظة صراع اقليمي واضح المعالم، وفي ظل مشروع داخلي لحزب الله بالإمساك الكلي بالبلاد وتثبيت التحوّل السياسي وامتداداته الخارجية.