كتبت رباب الحسن في صحيفة "اللواء": مع إنطلاق الحكومة الميقاتية الثانية رسمياً بالأمس مع التقاط الصورة التذكارية وعقد أول جلسة لمجلس الوزراء، تتجه انظار اللبنانيين كما العالم الى البيان الوزاري للحكومة العتيدة، لا سيما لجهة الموقف من المحكمة الدولية وسلاح "حزب الله" المتوقع ان تتم مقاربتهما من خلال اعتماد ما ورد في البيان الوزاري للحكومة السابقة أي صيغة "الشعب والجيش والمقاومة"، من دون ان يتم التطرق بالتفصيل الى طريقة التعاطي مع ما سيصدر عن المحكمة الدولية لناحية القرار الاتهامي المتوقع صدوره مطلع الشهر المقبل على ان تترك مواجهة هذه المسائل في حينه.
والمتعارف عليه في لبنان ان تستعين الحكومات بالبيانات الوزارية للحكومات السابقة، ويتوقع استمرار هذا العرف مع الحكومة الحالية، ولا سيما في الجزء المتعلق منه بالمحكمة الدولية وسلاح <حزب الله>، على ان تتعامل الحكومة مع المستجدات في شأن هذين الملفين عند حدوثها مع الاخذ بعين الاعتبار ان هذه الحكومة لن تلزم نفسها بنص محدد في شأن المحكمة الدولية كما جرت العادة في الحكومات السابقة، وخصوصاً لناحية تسهيل عمل لجنة التحقيق الدولية وتمويل المحكمة او سحب القضاة اللبنانيين منها.
اضافة الى هذين البندين، فإن امام الحكومة الميقاتية الثانية استحقاق اساسي هو انتخابات 2013 والتعيينات الادارية والامنية والاتفاقيات الاقتصادية لا سيما المتعلق منها بباريس – 3 وغيرها من الامور، التي سيحدد الموقف منها وطريقة التعاطي معها سبل التعامل مع الحكومة الجديدة.
البيانات السابقة
وفي نظرة سريعة على البيانات الوزارية للحكومات السابقة منذ العام 2005 وحتى اليوم، وتحديد أجندة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الاولى التي تشكلت في 23 نيسان 2005 مروراً بحكومتي الرئيس فؤاد السنيورة وصولاً الى حكومة الرئيس سعد الحريري، نلاحظ انها جمعيها كانت حكومات وطنية جامعة لكل الاطياف السياسية، بعكس الحكومة الحالية التي يؤخذ عليها انها حكومة "اللون السياسي الواحد".
اما فيما يتعلق بمضمون البيانات الوزارية فجميعها متشابهة لناحية التعاطي مع القضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فحكومة الرئيس ميقاتي الاولى والتي جاءت بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كما الحكومات التي تلتها اكدت في موضوع التحقيق الدولي في جريمة الاغتيال على "الالتزام بتسهيل عمل لجنة التحقيق الدولية وفقاً لما ورد في بنود القرار 1559، بما في ذلك الاستماع الى كل من يستدعي التحقيق استجوابه توصلاً الى كشف الحقيقة وتوقيف المجرمين، كما تلتزم تسهيل التحقيقات من خلال وضع بالتصرف قادة الاجهزة الامنية>، و<اعتدت ان كشف حقيقة الجريمة الارهابية من اساسيات عملها".
لكن الحكومات التي تعاقبت كانت اكثر وضوحاً في شأن المحكمة الدولية ففيما اكدت حكومة الرئيس السنيورة الاولى (26/7/2005) التزامها <بالعمل الجاد لجلاء الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وكشف المرتكبين ومحاكمتهم أيا كانوا وأينما وجدوا>، الا ان هذا البند (المحكمة الدولية) جوبه بالرفض من قبل الوزراء الشيعة الذين استقالوا من الحكومة رفضاً للمحكمة الدولية، الا ان مساعي انشاء هذه المحكمة استمرت وتم التأكيد على الالتزام بها مجدداً في حكومتي الرئيس السنيورة الثانية (2008) وحكومة الرئيس سعد الحريري في الـ(2009).
بند المقاومة
اما فيما خص الوضع السياسي العام في البلاد، فإن التوافق كاملاً في التزام البيانات الوزارية بإتفاق الطائف وتعزيز بناء مؤسسات الدولة ووضع قانون عصري للانتخابات مع التشديد على الحفاظ على الامن والسلم الاهلي ومنع كل اشكال العبث بالسلم الاهلي والامن.
وكان الجامع بين هذه البيانات منذ العام 2005 الى اليوم هو التأكيد على حق لبنان في الدفاع عن ارضه وسيادته وقد استعانت حكومة الميقاتي الاولى في هذا المجال بالشرعة العالمية لحقوق الانسان للتأكيد على الحق في المقاومة حيث نص البيان الوزاري على "حق الشعوب بتقرير مصيرها والدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة اراضيها وبالحق المشروع في مقاومة الاحتلال".
الا أن حكومتي السنيورة وحكومة الحريري كانتا اكثر وضوحاً وصراحة حيث اعتبرت حكومة السنيورة الاولى "ان المقاومة اللبنانية هي تعبير صادق وطبيعي عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير ارضه والدفاع عن كرامته في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية والعمل على استكمال تحرير الارض اللبنانية".
فإن الحكومة الثانية للسنيورة والتي جاءت بعد اتفاق الدوحة فكانت اكثر تقدّماً في احتضان المقاومة، حيث اكدت الحكومة على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من قرية الغجر المحتلة والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه وذلك بكافة الوسائل المشروعة والمتاحة".
وبدورها رعت حكومة الرئيس الحريري وضع بند المقاومة وجاء نصها أكثر عمقاً في تطوير هذه العلاقة، بين المقاومة والدولة، حيث أكدت الحكومة حينها على المثالثة في هذه العلاقة من خلال التأكيد على "حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته، في تحرير أو استرجاع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من الغجر والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء مع التمسك بحقه في مياهه وذلك بالوسائل المشروعة والمتاحة كافة>• وكانت كل الالتزامات بحق المقاومة تقترن مع التزامات بالاتفاقات على تعزيز وضع الجيش اللبناني والمؤسسات الامنية والاتفاق على وضع استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه".
ووفق المعلومات المتوافرة في شأن الحكومة الجديدة، فالمتوقع أن تستخدم النص نفسه الخاص بالمحكمة الدولية والمقاومة الوارد في البيان الوزاري للحكومة السابقة تخفيفاً من حالة الاحتقان السياسي التي ووجه بها تأليف الحكومة ولتجنّب الدخول في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي من ناحية وفريق 14 آذار داخلياً من ناحية ثانية، خصوصاً وأن القرار الاتهامي بات على وشك الصدور، ومضمونه لوحده سيشكل مشكلة داخلية، والرهان هو على طريقة تعاطي الحكومة الجديدة مع مندرجاته.
العلاقة مع سوريا
اما في ما خص العلاقات اللبنانية الدولية والإقليمية والعربية، فان البيانات الوزارية للحكومات المتعاقبة توافقت جميعها على ضرورة قيام علاقات مميزة مع سوريا مبنية على قواعد الثقة والمساواة واحترام سيادة الدولتين واستقلالهما، والا يكون أي منهما مصدراً لتهديد أمن الآخر.
كما شددت أيضاً على العمل لتعزيز العلاقات اللبنانية – الدولية من خلال التزام لبنان بالقرارات الدولية.
باريس – 3
اما على الصعيد الاقتصادي، فان حكومة ميقاتي الأولى، كان تركيزها الأساسي على وضع قانون تجري على أساسه الانتخابات النيابية، وهي نصت في الشأن الاقتصادي على ضرورة الحفاظ على الاستقرار النقدي والاهتمام بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي وتوفير المناخات المناسبة لدعم الثقة بالاقتصاد اللبناني" لكن حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة وحكومة الرئيس سعد الحريري اولتا الشأن الاقتصادي اهتماماً ملحوظاً لناحية تنفيذ الإصلاحات المالية والاجتماعية مع التأكيد على التزام لبنان بالاتفاقات التي وقعها في المجالين الاقتصادي والتجاري مع الدول والمنظمات الدولية والإقليمية، ولا سيما باريس – 2 وباريس – 3.
ويضاف إلى كل ذلك بنود تتعلق بالعلاقات اللبنانية – الدولية والعربية والموقف من القضية الفلسطينية والقضايا العربية كافة، إضافة إلى تفاصيل وضع الوزارات والخطط المقترحة لعملها.
وعليه، فان المعركة الأساسية اليوم أمام الحكومة الجديدة هي في إنتاج بيان وزاري لا يستفز الداخل ولا الخارج، ويبعد عنه تهم التبعية السورية، لا سيما لناحية البنود المتعلقة بالمحكمة الدولية وسلاح المقاومة والالتزامات الدولية خصوصاً القرار 1701.