كلام كثير يُقال عن تورّط إيراني في الأحداث السوريّة، أو عن دور التحالف الإيراني ـ السوري في التسبب بتفاقم هذه الأحداث، أو السعي الدولي لفكّ التحالف الاستراتيجي بين سورية وإيران، هذه كلّها ليست أكثر من جزء «موارب» للصورة الحقيقيّة .
الرفض الشعبي السوري المتزايد للحال الرثّة التي وصلت إليها الأمور في سورية الدولة هي العامل الحقيقي والدافع الرئيسي لثورة الشعب السوري، ولا يستطيع أحد أن يُنكر ذلك فالرئيس السوري اعترف بالأخطاء وضرورة الإصلاح وأهميّة التغيير، وإن كان تجربة العالم مع الكلام الرسمي السوري فقدت الثقة النهائيّة فيه، بسبب مماطلاته ومناوراته الكثيرة!!
وقد تكون الدلالة الأبرز على الحال الرثّة التي بلغها الغضب الشعبي السوري من حال الفساد والتربّح من أموال الدولة والشعب السوري تجلّت بالأمس مع إعلان ابن خال الرئيس الأسد رامي مخلوف تنازله عن «عقاراته» لصالح الدولة السورية، وتحويل أمواله للعمل الخيري، هذا جزء ممّا طالب به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرئيس السوري في 11 حزيران الجاري، عندما كشف أنّه طالب الرئيس السوري بالتخلّي أو التضحية بشقيقه وابن خاله وغيرهما ربّما، وهذا سيساعد في تخفيف الغضب الشعبي علّه يُنفّس الثورة…
عملياً؛ لم تكن منطقة الشرق الأوسط إلا مطعماً لدول كثيرة، بل تقاسم النفوذ فيها على مدى نصف قرن المعسكرين الأميركي والسوفياتي، وكانت سورية في المعسكر الثاني، أزمة الشعب السوري عمرها أكثر من أربعة عقود، تخللها الكثير من القمع والاعتقال والمفقودين، ومجزرة حماة عام 1982، كلّ هذه المعاناة عاشها الشعب السوري قبل أن تمدّ إيران أصابعها إلى المنطقة، فقد عانى شحاً اقتصادياً وتردي الوضع المالي والاقتصاد المنغلق، وفي اللحظة التي ظنّ فيها هذا الشعب أنه ذاهب إلى الأفضل مع رئيس شاب، اكتشف أن حجم الفساد في 11 عاماً تجاوز بمراحل فساد 30 عاماً!!
إيران على الحلبة السورية بقوة منذ بضع سنوات، وسيكون هراءً أن تُلقى كلّ التهمة عليها، فالتقارب الاستراتيجي السوري ـ الإيراني، تزامن بالتكافل والتضامن مع تقارب تركي ـ سوري لا يقلّ عنه أهمية، وتركيا تمدّ أصابعها إلى المنطقة بمثل ما تسعى إليه إيران؟!
إذا أراد أي متابع أن يقرأ بموضوعيّة عليه أن يعترف أنّ صمت العالم عمّا يحدث في سورية سواءً أكان عربياً أم دولياً، يفرضه تشابك مجموعة مصالح معقّدة، أليس من غرائب السياسة أن تكون إسرائيل أول الخائفين والحرصاء على بقاء الحكم واستمراره في سورية، أكثر من روسيا والصين، وإيران وتركيا أيضاً حتى اللحظة!!
حتى نصدق القارئ الكلام، علينا أن نقارب الأمور بتجرّد، حال إيران اليوم في العالم العربي ليس بأفضل من حال التهم التي يتمّ إلصاقها بإسرائيل، وبالإمبريالية والرجعيّة والصهيونية والأميركية والشيوعيّة سابقاً، وليس بأفضل حال من تهمة التزندق والتشيّع في العصرين العباسي والأموي، لكلّ عصر تهمته، ولم تنشب الثورات في كلّ الدول العربية من مصر إلى تونس إلى ليبيا إلى اليمن إلى سورية بسبب إيران، وعملياً يبدو أن التشدّد التركي أكثر تأثيراً على سورية، على أمل ألا يكون مشهد التنازل المخلوفي جزءاً من المناورات المعتادة.
الأنظمة العربية ديكتاتورية قمعيّة واجهت شعوبها بالتنكيل والقمع والتصفية الجسدية منذ نشأت هذه الأنظمة، أما اتهام إيران بزعزعة العالم العربي، فهذه الزعزعة عمرها قرون، وما قبل إيران اليوم، ما يحدث فقط هو أن الأنظمة تحصد ما زرعته طوال عقود، وحان وقت انسحابها عن مسرح اللعبة، فاللاعبون الجدد ينتظرون دورهم ليطلوا من وراء الستار!!