#dfp #adsense

حكومة “المواجهة” ولدت بعد مخاض عسير

حجم الخط

كتب ابرهيم بيرم في "النهار":اما وقد تهافتت رهانات المراهنين على ان الرئيس نجيب ميقاتي لن يجرؤ على "استيلاد" حكومته مما افقدهم ورقة "سمينة" هي ورقة وصم الاكثرية الجديدة بالعجز عن القبض على زمام السلطة، فإن القصور عن انجاز ما تصدت له هذه الأكثرية منذ 26 كانون الثاني الماضي، وما اجبرهم على المضي قدما في رحلة بحث جدية عن سبل مواجهة غير مألوفة.

الثابت منذ الآن ان الصراع بين الفريقين انتقل الى مرحلة جديدة وبالتالي صار السؤال العريض الذي يتعين طرحه والبحث عن اجابات عنه هو: أي الرهانات سيفوز وأيها سيخسر؟ أهي رهانات المؤلفة قلوبهم لتأليف هذه الحكومة الجديدة الوليدة لتوها والزاعمة ان هذه الحكومة الوليدة مديدة العمر طويلة الاجل قادرة على الصمود حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة، ام هي حسابات المختلفين معها الناهضة على زعم انها كالثمرة الصيفية التي تسقط بانصرام اوانها المحتوم الاجل السريع العطب، وفق التعبير الذي استخدمه صديقنا القديم النائب السابق محمد عبد الحميد بيضون؟

وبالتالي فإن موعد رحيلها يصبح، والصبح دوماً قريب لمنتظره، الى درجة ان كان لدى احد الدائرين في فلك قوى 14 آذار الجرأة على تحديد مهلة 3 اشهر كموعد زمني اقصى لانفراط عقد هذه الحكومة وبالتالي سقوطها.

في حين ان ثمة من الفريق اياه من بادر الى ادراج هذه الحكومة الجديدة في خانة حكومة "سد الفراغ اللبناني" في وقت التحولات الكبرى في المنطقة، وان العواصم الخارجية التي لم تفلح في الايام القليلة الماضية في اطالة امد "المراوحة" التي كانت قائمة وفي تمديد اجل الفراغ الحكومي، وسلمت بأمر التأليف، وستفتح في قابل الايام فوهات مدافع "شرورها" على هذه الحكومة من خلال جملة خطوات مرتقبة، واخرى معدة لها سلفا، ابرزها:

– القرار الظني، الذي صار امر صدوره بعد التأليف حاجة ماسة وذا فائدة ترتجى، وليس هباء منثورا كما في الفترة التي تلت سقوط حكومة الرئيس الحريري.

– تشديد الخناق على هذه الحكومة وتقييد حركتها وميدان حراكها من خلال تذكيرها دوما بأنها موضع رصد المجتمع الدولي وانها تحت مرمى مراقبته لحظة بلحظة، واي "إخلال" منها بالتزامات ومواصفات معينة يجعلها تنزلق الى خانة الحكومات "المارقة" التي يمكن ان تفرض عليها "عقوبات" معينة تحرمها من بعض المكاسب.

ولم يعد خافيا ان واشنطن وعواصم غربية اخرى رسمت لهذه الحكومة ومنذ الساعات الاولى لولادتها المفاجئة، خطوطا حمرا معينة من خلال ابلاغ من يعنيهم الامر أن الموقف من هذه الحكومة الجديدة، سيتحدد وفق توجهاتها ورؤاها في موضوع المحكمة الدولية وسواها

القراران والالتزامات والتعهدات الدولية السابقة، ومن يفهم في عالم الديبلوماسية يعِ ان مثل هذه الشروط هي بمثابة "مدونة سلوك" مسبقة فرضها الخارج على هذه الحكومة، وحدد "مداها الحيوي" سلفا، وهذا الامر يعني بشكل او بآخر ان على الذين قدر لهم ان يفرضوا امرا واقعا لا يراعي متطلبات واشنطن والغرب عموما، بإسقاط حكومته وبتأليف حكومة اخرى تفتقر الى تمثيله المميز فيها، ألا يطلقوا العنان لفرحتهم، ولا يركنوا الى فكرة انهم نجحوا في فرض امر واقع على الآخرين ان يقبلوا التعامل معه كما هو.

فضلا عن ذلك، فإن اولئك المراهنين على قصر عمر هذه الحكومة الجديدة، انما يتكئون في رهانهم على بعد داخلي اخر يشكل عنصر قوة لديهم، يتجسد في الحراك المبكر والعاجل الذي بدأته قوى 14 آذار لمحاصرة هذه الحكومة بالعديد من الشبهات، ووصمها بالعديد من الصفات التي ستؤثر سلبا على وضعها وتكبلها عن الفعل من خلال اعطائها هوية سورية – إيرانية او تسميتها بحكومة "حزب الله" وهو ما ينزع عنها صفة انها صناعة محلية، ويحيلها الى اداة في يد الاخرين.

ولا شك في ان رموز هذا الفريق يبثون في قواعدهم وفي اوساط الاعلام، أنهم اعدوا لمواجهة الحكومة الجديدة العدة اللازمة، محذرين من انها ستخرج عن خطوط المعارضة المألوفة،

فضلا عن قولهم إن زعيم المعارضين المحتجب في غيبة كبرى (منذ اكثر من 55 يوما) سيظهر في القريب العاجل، ليشرع في قيادة المرحلة بعد ان تحدَّد الهدف، ووُضعت الوسيلة اللازمة لبلوغه.

علما ان ثمة من يضع هذا "التضخيم" وهذا "التهويل" من جانب فريق الاقلية الجديدة في خانة الهجوم الوقائي لغايات ومقاصد ثلاثة: اولها: امتصاص تداعيات صدمة الخيبة التي تأتت بعد ولادة الحكومة.

ثانيها: اعادة شد عصب قاعدة فريق 14 آذار التي لا ريب ان مرارة الخيبة موجودة في نفوسها.

ثالثها: الدفاع الوقائي عن "مواقع" فريق 14 آذار في داخل الدولة ومؤسساتها وشن حرب نفسية على الخصم بغية منعه من الانقضاض على هذه المواقع وبالتالي محاصرتها وانهاء فاعليتها خصوصا في مجالي الامن والمال.

ولا ريب ايضا في ان ثمة رهانا مضمرا لدى هذا الفريق لاضعاف حكومة ميقاتي وبالتالي التمهيد لاسقاطها يتجسد في مقولة ان السند السوري لهذه الحكومة هو نفسه آيل الى التداعي او التضعضع اكثر.

واذا كانت تلك هي رهانات المعادين للحكومة الحديثة الولادة، التي تجعلهم مطمئنين الى قصر عمرها الافتراضي، فإن لداعمي هذه الحكومة ورعاة ولادتها المحليين والاقليميين حسابات مناقضة ومضادة تُجمع كلها على انها وجدت لتبقى، وولدت لتشرف على جولة الانتخابات النيابية المقبلة بعد اقل من عامين، وهي في الاجمال حكومة مواجهة بالمعنى الكامل للكلمة.

ولا يخفي اصحاب هذه الرؤية ان ولادة الحكومة في هذا الوقت بالذات سيخدم النظام السوري وحربه التي يخوضها في الداخل والخارج على حد سواء.

وذلك من خلال الوقائع الاتية:

– ان دمشق في إمكانها حاضرا ومستقبلا ان تستفيد من وجود حكومة في بيروت تضم افرقاء اربعة يرتبطون بها ارتباطا وثيقا او يعتبرها بالتالي ورقة من اوراق القوة التي يجمعها، بدءا من نجاحه في توجيه ضربات قوية الى معارضيه في الداخل، ولا سيما الذين امتشقوا السلاح في وجهه، فضلا عن حركته الخارجية التي بدأت مع جولات موفدين الى بغداد وانقرة، فضلا عن استقبالاته لموفدي العديد من الدول العربية (الامارات، البحرين وعمان اخيرا) مضافا الى ذلك امكان ان تكون ورقة الحكومة اللبنانية الجديدة مفيدة لها في مفاوضاتها مع الاخرين.

– ان ولادة الحكومة الحالية وضعت حدا نهائيا لمقولات شاعت في الاونة الاخيرة فحواها ان الفريق السياسي اللبناني الذي يناصب سوريا العداء، عائد الى رأس السلطة التنفيذية على صهوة حصان ابيض بعدما اخفق حلفاؤها في استكمال حلقات النصر الذي بدأوه بإسقاط حكومة الحريري وتأليف الحكومة البديلة.

– ان الحكومة الجديدة ذات التوجه السياسي الحازم بالوقوف الى جانب النظام السوري، باتت مكلفة بمحاصرة كل الظواهر والمظاهر المعادية للنظام في سوريا، والتي بدأت تعلي من حضورها العلني في لبنان، الى درجة انها احيت فكرة الهاجس التاريخي السوري من تحول لبنان الى خنجر في الخاصرة السورية.

– لا ريب في انه بعد انطلاق حكومة ميقاتي صار في إمكان النظام في سوريا ان يقول للداخل والخارج على حد سواء انه وهو يواجه الحرب الضروس عليه المستمرة منذ اكثر من 4 اشهر، في مقدوره ان يعطي الضوء الاخضر لتأليف حكومة في لبنان وهو أمر له معانيه ومغازيه التي يفهمها من يعنيهم الامر.

وفي كل الاحوال، فان الحكومة الميقاتية هي حكومة مواجهة، سواء أعجب هذا المصطلح القيمين عليها أو رفضوه، وبالتالي أي كفة من كفتي الحسابين سترجح؟

المصدر:
وكالات

خبر عاجل