الأحداث الدموية التي شهدتها مدينة طرابلس اللبنانية، الجمعة الماضي، كانت بين منطقتي باب التبانة، ذات الغالبية السنية، وجبل محسن الذي تقطنه اكثرية علوية مؤيدة لنظام الحكم في دمشق. الاشتباك العنيف اندلع إثر تظاهرة لطلاب لبنانيين وسوريين تضامناً مع الشعب السوري. والعملية ليست الأولى، لكنها اخذت بعداً مهماً بسبب ربطها بما يحصل في المدن السورية.
رئيس الوزراء اللبناني نجيب ميقاتي اعتبر ان «ما جرى في طرابلس مريب»، وكتلة «المستقبل» وصفت تصريحات ميقاتي بأنها تحمل اتهاماً لها، رغم نفيه معرفته بمصدر الرسالة السياسية للحادث وهدفها. وللمرة الأولى يحار المواطن اللبناني في تحديد المحرّض او المستفيد من الحادث، فاتهام الغالبية الحاكمة الموالية لسورية بافتعال الحادث لفرض حال طوارئ على لبنان يبدو بلا معنى، فهي ليست بحاجة الى تحرك بهذه الصيغة لأنها تمسك بمفاصل البلد وتحكمه بقوة المؤسسات، واتهام المعارضة غير منطقي لأنها اكبر المتضررين من سيادة السلاح.
لا شك في ان ما جرى لم يكن مصادفة محضة. وهو استغلال لاحتقان تعيشه حدود البلد مع الجارة المضطربة، ومؤشر الى ما يمكن ان يحدث على الساحة اللبنانية إذا تطورت الأمور في المدن السورية. وربما يكون ما حصل تحركاً استباقياً من الجيران لمطالبة الحكومة اللبنانية بفرض طوق امني صارم لضبط الحدود بين البلدين من اجل منع تدفق لاجئين محتملين من سورية، في ظل تطويق الجيش السوري للمدن الحدودية مع تركيا… فضلاً عن ان اشتباك طرابلس سيكون فرصة للسلطة اللبنانية لإجراء تعديلات في مناصب أمنية محسوبة على تيار «المستقبل». ولعل اتهام فرع المعلومات (في قوى الأمن الداخلي) بتوزيع السلاح على متظاهرين، بداية لفتح ملف التعيينات في بعض مناصب الأمن، وهذا الملف بين ابرز اهداف الغالبية في المرحلة المقبلة.
الأكيد ان احداث طرابلس رسالة مقلقة، مهما حاول بعضهم التقليل من خطورتها. فتحوُّل تظاهرة الى اشتباك بهذا العنف والتنظيم، واستخدام اسلحة بهذا التنوع يعنيان ان ما حصل «بروفة» بالرصاص الحي لما يمكن ان يشهده لبنان خلال الأيام المقبلة. والقلق الذي تعاملت به حكومة ميقاتي مع الاشتباك يشير الى انها تعرف أهدافه البعيدة، لكنها لا تملك حياله إلا القلق وانتظار قدر محتوم.