أما وقد تشكلت الحكومة بعد مخاض عسير وطول انتظار، ونشأ واقع جديد مثقل بالهواجس لدى فئة سياسية وشريحة لبنانية واسعة، فإن الأمانة والموضوعية تدفعان إلى مصارحة فريق الحكومة والقيمين عليها والكشف عما يساور فريق كبير من المواطنين اللبنانيين من هواجس وما يقولونه في سرهم وعلنهم لأننا نريد لهذه الحكومة ان تنجح فترتاح البلاد والعباد مما نتخبط به منذ عام 2005 وحتى اليوم.
انتظر اللبنانيون بشغف ولهفة أن تشكل حكومة وضاقوا ذرعاً بالفراغ الحكومي وما نجم عنه من حال فوضى وشلل في المؤسسات والادارات وما ألحقه من ضرر بمصالح الناس وأمورهم الحياتية. وإذا كان من إيجابية لما حدث فإنه يكمن في تشكيل الحكومة الذي يعتبر في حد ذاته إنجازاً بعدما بات مأزقاً ولغزاً محيّرا طيلة فترة الخمسة اشهر الماضية. ولكن ليس المهم ان تشكل الحكومة وتكون اقرب إلى حكومة أمر واقع، وأبعد ما تكون عن حكومة متوازنة تراعي الخصوصيات والتوازنات، وطبيعة الظروف وأحكامها… وليس خافياً على أحد أن هذه الحكومة شكلت خيبة لدى فريق لبناني واسع لا ينتمي إلى 8 أو 14 آذار بل ينتمي إلى هذا الوطن القائم على التوافق والوحدة والتفاهم بين كافة ابنائه وطوائفه ولأسباب كثيرة ومختلفة:
1 – لم تكن الحكومة على المستوى الوطني كما هو منتظر ومرتجى ولا في مستوى الطموحات والتطلعات. لقد تمخض " جبل " الانتظار الطويل لأكثر من أربعة اشهر عن " فأر " الحكومة المبتورة والناقصة. وكان بالامكان تشكيل حكومة كهذه في خلال ايام وأسابيع، ولم يكن هناك ما يدعو إلى انتظار طويل وممل لم يسفر عن أي اختراق وتقدم…
2 – الحكومة الجديدة ليست حكومة المرحلة ولا الحكومة التي تنسجم مع طبيعة المرحلة ومقتضياتها الخطيرة والحساسة وبغض النظر عن الاسماء التي لنا من بينهم اصدقاء ناجحين وأكفاء كثر نقدرهم ونحترمهم. فما يواجهه لبنان من انقسامات داخلية ومن عواصف اقليمية تطرق بابه من جهتي الجنوب والشمال، يستدعي تشكيل حكومة أقطاب، أو حكومة إنقاذ ووحدة وطنية لتحصين الوضع اللبناني وسد ثغراته ومساربه، وهذا الأمر كان يستأهل المزيد من الجهود والمحاولات الجدية والمضنية للتوصل إلى حكومة شراكة ومشاركة حقيقية يسودها التوازن والتكافؤ ولا تكون حكومة " الغالب والمغلوب " حيث لا تعود تنفع كل عمليات التجميل لصورة الحكومة التي يحاول رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة من القيام بها اليوم.
3- الحكومة ولدت بعملية قيصرية وكلفت ولادتها حصول سوابق وخروقات لأعراف ميثاقية وتوازنات طائفية دقيقة. وهذه الأصول والأعراف والتوازنات لا يجوز مسها تحت أي شعار أو ظرف أو حال بغض النظر عن الدوافع والخلفيات الوطنية والنبيلة للرئيس نبيه بري التي كانت وراء خطوة التنازل عن مقعد وزاري ونقله من خانة طائفة إلى خانة طائفة أخرى في إطار مخرج لأزمة التأليف المستعصية منذ خمسة اشهر تقريباً.
4- التشكيلة الحكومية احتوت على كمية من الخلل في التمثيل السياسي والمناطقي: فهل يُعقل ان تغيب مدن ومناطق مثل كسروان "القلب الماروني النابض" وصيدا وغيرها وغيرها من مناطق عن الحكومة وتتمثل مدن أخرى مثل طرابلس بما يفوق حقها وحجمها؟ وهل يجوز أن يتم إقصاء الوزراء الذين أثبتوا نجاحاً ومناقبية ووطنية في أدائهم وممارستهم ومن أبرز هؤلاء الوزير الادامي الذي عمل في وزارته بكل أمانة وحرفية لكل اللبنانيين ودون أية تفرقة، الطبيب الناجح محمد جواد خليفة، طبعاً (هذا لا يعني ابداً تقليلاً من قيمة الوزير الصديق علي حسن خليل الذي يتمتع ايضاً بكفاءة سياسية واخلاقية وهم من المدرسة السياسية نفسها) لكن ما نتحدث به عن خليفة هو ما يمثله من قيمة علمية واكاديمية جعلت وزارة الصحة محط أعجاب الداخل والخارج وملجأ الفقراء والمحتاجين من كل الطوائف اللبنانية .
5- والاهم من كل ما تقدم، ان حكومة العهد الثالثة الحقت الضرر الفادح برئاسة الجمهورية. فما حدث كشف عن دور هامشي لرئاسة الجمهورية وأدى إلى الإمعان في إضعاف هذا الموقع وما يفترض ان يمثله من دور مركزي ومحوري…
ان رئيس الجمهورية هو في اساس وصلب عملية تأليف الحكومة وهو شريك اساسي فيها ودوره لا ينحصر في التوقيع على مرسوم الحكومة، وإنما له كل الحق والصلاحية في التحفظ والرفض وإبداء الرأي في الحقائب والاسماء. ولكن ما حدث ان كل فريق في هذا الائتلاف الحكومي اختار حقائبه وأسماء وزرائه وجاءت حصة رئيس الجمهورية وللأسف ضعيفة وواهنة، لا بل الأضعف بين سائر الحصص الوزارية…
6 – إن رئيس الجمهورية من حيث المبدأ لا يُحَدْ في حصة وكل الوزراء هم حصته وتحت مظلته ومرجعيته، خصوصاً ان حصة رئيس الجمهورية لا يجب ان تقل عن الثلث المعطل في حكومة لا تمثل كل القوى والاطراف السياسية في لبنان والذي اتفق عليه في الطائف شفهياً بين النواب من اجل تقوية دور رئيس الجمهورية واعطائه حق الفيتو بعدما أخذ منه حق الإمرة والتقرير…
أما ان يعطى رئيس الجمهورية حقيبتين دولة وبيئة وأسهم في وزارة " سيادية "، وان يتم الانتقال من وزراء الوديعة إلى وزراء الشراكة والاسهم… فكل ذلك يصعب قبوله وتبريره وكان من الافضل والانسب ان يظل رئيس الجمهورية خارج " المحاصصة " وان لا يضيف إلى توقيعه الدستوري تغطية سياسية لحكومة ليس له فيها سلطة القرار ولا حتى قدرة التأثير على مجرياتها وقراراتها…
والمفارقة هنا وبكل حيادية وتجرد ان ما كان منتظراً من بعبدا جاء من الرابية، بدأت من حيث الشكل أولاً حيث أخذت "الصورة التذكارية" الاولى في الرابية اثناء الاحتفال الذي أقيم في منزل العماد عون لوزراء تكتل التغيير والاصلاح الذين سماهم في الحكومة، وثانياً من حيث المضمون عندما حصل العماد ميشال عون على حصة وزارية وازنة ومؤثرة بدت أقرب إلى " حكومة مصغرة " حتى بات عون ممسكاً بشكل أو بآخر بأغلبية السلطات القضائية والامنية وفي يده ايضاً كل المرافق والبنى التحتية الخدماتية من ماء وكهرباء ونفط واتصالات وسياحة وصناعة وثقافة… وينطلق من هذه الحكومة إلى انتخابات 2013 وفي يده أوراق القوة الخدماتية والسياسية…
واذا اردنا ان نكون واقعيين وصادقين مع انفسنا ومع الناس، لا نغالي إذا قلنا إن العماد ميشال عون بات "الرئيس الظل " في الجمهورية اللبنانية، وان هذه الحكومة ان دلت على شيء فهي تدل عن انها حكومته بأمتياز.
واذا كان الشيء بالشيء يذكر لا بد لي من طرح بعض الاسئلة وبصوت عال حول تخلي رئيس الجمهورية وفي حكومتين متتاليتين عن حصته الكاثوليكية.
ألم يكن أبناء طائفة الروم الكاثوليك الاخلص والاكثر دفاعاً وتمسكاً بهذا العهد ؟ ألم يكن ابناء طائفة الروم الكاثوليك خط الدفاع الأول عن العماد سليمان منذ كان قائداً للجيش وحتى اليوم ؟ ألم يكن ابناء هذه الطائفة الاكثر اندفاعاً ومجاهرة وشراسة في المطالبة بوصوله إلى سدة الرئاسة ؟ ألم يكن ابناء هذه الطائفة الاكثر وفاءً وتأييداً له ؟ ما هي القيمة المضافة التي اعطوه اياها بعض الوزراء الذي نفض عنهم غبار الزمن وسماهم وزراء ؟ أين كانوا طيلة الفترة السابقة التي حورب فيها لمنعه من الوصول إلى سدة الرئاسة وحين كان يتعرض للانتقادات السياسية بعد انتخابه من هنا وهناك؟ أين كانوا حين كنا نطالب بضرورة اعطائه صلاحيات من خلال تعديل بعد بنود الطائف ليستطيع ان يكون حاكماً وحكماً بين اللبنانيين الخ الخ الخ…
في الحقيقة لا أرى جواباً لذلك إلا انه ربما " ملحنا لا يملح "…
أما إلى الرئيس نجيب ميقاتي أقول صحيح ان هذه الحكومة تضم بعض الشخصيات الكفوءة وبعض الوجوه الجديدة والمستقلة والبعيدة عن الاصطفافات السياسية… لذلك سيكون عليها ان تبذل جهوداً جبارة ومركزة لإثبات عكس ما يواجهها من اتهامات وأوصاف، ولتبديد الشكوك والقلق والهواجس، ولحيازة ثقة الناس بها وبدولتهم، فلا تغرق في الوعود وفي بيان وزاري انشائي لأن المطلوب افعال لا أقوال، ولا تمارس سياسة كيد وثار وتصفية حسابات، ولا تُفَرّط في القواعد الميثاقية التي قام عليها الكيان اللبناني، ولا في علاقات لبنان الدولية، ولا تدخل في مواجهات عبثية مع المجتمع الدولي والعمل من اجل قيام علاقات جيدة قائمة على الاحترام المتبادل بين البلدان العربية الشقيقة. والأهم من كل ذلك ان لا تقع الحكومة ضحية وفريسة ملفات سياسية لا طائل منها، وان تعطي الاولوية لقضايا الناس المعيشية وأمنهم الاقتصادي والاجتماعي وتبت في ملفات عالقة ومكدسة، وان تكون حكومة قادرة على الانتاج وقابلة للحياة. فليس المهم ان تشكل حكومة، وإنما المهم ان تحكم وان تستمر…