ميشال عون الناطق المفوه باسم الأكثرية المركبة عبر "القمصان السود" حمل إلينا الخبر اليقين: سعد الحريري غادر البلد ولن يعود لأنه قطع له "one way ticket" . قبله كثيرون قالوا هذا الكلام، إلا ان التمثيل السياسي للحريرية السياسية كان يعود أقوى من ذي قبل.
قائد حربيّ "الإلغاء" و "التحرير" الفاشلتين بكل المعايير الاخلاقية والسياسية والعسكرية يتهم الحريري بأنه يحاول السيطرة على شبكة الخلوي، متناسياً ان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي هو المؤسس والمالك لاحدى شركات الخلوي في لبنان و "الشقيقة" سوريا، بينما الرئيس سعد الحريري لا يملك في هذا القطاع شيئاً.
مأساة لبنان ليست في واقعيه السياسي والاقتصادي، بل في بعض سياسييه من نواب ووزراء، كالنائب ميشال عون والوزير وئام وهاب، وميشال سماحة وناصر قنديل وغيرهم كثر.
فكيف يقنع لبنان المجتمع الدولي بأنه دولة، وهو يظهر للعالم فكاهات سياسية من هنا وهناك؟ وكيف يتم "الإصلاح" طالما ان "الصهر" و "النسيب" هما الأساس في آليات النظام السياسي؟
البلد بحاجة إلى إظهار نضوج سياسي غير موجود اصلاً. ولن يتحقق مع إطلالات عون المتكررة التي تشبه ظهور مريم نور او الدعاة المبشرين. عون يطل بابتسامة نورانية، ما تلبث ان تتحول إلى تهديد بالويل والثبور، يتحدث إلى اللبنانيين من منصة تفوق قدرتهم على النظر إليها، خلال حديثه يتأكد المرء من تردي الوسائط السياسية، وأيضاً من تراجع الثقافة السياسية العامة.
جنرال الرابية يحاول إقناع اللبنانيين في ما خص قضايا "الاصلاح والتغيير" على طريقة مقدمي البرامج التلفزيونية. يستخدم وسائل كالأسنان البيضاء، والابتسامة المركبة على طريقة الاكثرية المركبة أيضاً بواسطة "القمصان السود".
الآن لم يعد لدى عون من اهتمامات بعدما استحوذ على وزارات عدة هدفها تأمين عودته الى الدورة البرلمانية المقبلة سوى فتح "وكالة سفر" هدفها ترحيل من لا ينحني إجلالاً له ولعائلته في السياسة والاقتصاد.
حقاً يحتار المرء: يضحك أم يبكي؟ فخطاب عون يظهر تجليات العامل الشخصي والإستتباع على السياسة على نحو غير مسبوق منذ انسحاب الاحتلال السوري من لبنان. فهو يستعمل لغة تبسط الحياة كما تسهل الموت.
ما قاله عن الرئيس الحريري يشبه تماماً تلك الدعوات والتصريحات الاستفزازية التي أطلقت عندما كان الشهيد جبران تويني في باريس. كان الهدف واضحاً: أن يعود تويني ويقتل. الأرجح ان الحريري لن يسقط في الفخ عينه، ذلك أن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين.
الجنرال الرئاسي يمنن اللبنانيين بانه حاز 10 وزارات "ليستعيد حقوق المسيحيين"، علما انه ذات يوم كان يرأس الحكومة برمتها ولم يفعل شيئا لا للمسيحيين ولا للبنانيين . فهل لنا ان نتخيل ماذا سيحصل وهو جزء من محور تديره إيران وولاية الفقيه من دون ريب او شك؟.
ويبدو انه اعتاد التحالف مع الديكتاتوريات والديكتاتوريين العرب، وان يكون فأل سوء عليها. من صدام حسين الى حين نقل البندقية لصالح بشار الأسد وفي المرتين كان الهدف واحداً : دمار البلد لقاء كرسي بعبدا.
مع عون نمضي في دويلة رثة تُبسط الأخطاء والسقوط، وتحت عناوين كيتشية، على مثال ما يقوله بشار الأسد. والأرجح أن المطلوب منه هو الكف عن تخيير اللبنانيين بين ناره وبين جنة "حزب الله" و "الأسد"، لأن كلاهما سقطا في "14 آذار" من العام 2005. وفي الحالين سيدفع اللبنانيون اثماناً باهظة.
والحال هذه، فإن على اللبنانيين ألا يتفاجأوا بما قاله عون، إنه تسبب بسفر وترحيل أكثر من 900 ألف لبناني جراء حروبه الخاسرة ومغامراته السياسية الموازية للمقامرة يوم كان جزئية من القرار السياسي والعسكري في البلد، لا بل قامر بالبلد كله جراء "هزة الرئاسية" مرة عام 1988 ومرة ثانية عام 2005.
بهذا المعنى فإن الأصلح والأصوب لعون هو ان يكون صاحب وكالة سفريات، هدفها "الأسمى" ترحيل كل اللبنانيين، وليس سعد الحريري فقط، خصوصا ان جورج اورويل قال ذات يوم : "هناك بضعة حماقات ينبغي أن تكون مثقفاً لتصدقها".