كتب نوفل ضو في "الجريدة" الكويتية:
ترى قيادات بارزة في قوى “14 آذار” أن المرحلة المقبلة على لبنان سياسيا وأمنيا تشبه إلى حد بعيد المرحلة التي امتدت منذ اتفاق الطائف عام 1989 حتى عام 2005، تاريخ نجاح ثورة الأرز في دفع الجيش السوري إلى الانسحاب من لبنان، وفي ترجمة شعار: “حرية – سيادة – استقلال” على أرض الواقع، من خلال تمكنها من الحصول على الأكثرية النيابية في انتخابات عام 2005.
وتوضح أن دمشق التي وضعت يدها على القرار السياسي والأمني والاقتصادي اللبناني خلال تلك الفترة تسعى إلى استعادة هذا الدور الذي فقدته عام 2005. ومن أبرز أوجه الشبه التي تتوقف عندها قيادات “14 آذار” الوقائع الآتية:
1- قول النائب ميشال عون إنه مع حلفائه قطعوا للرئيس سعد الحريري تذكرة سفر ذهابا من دون إياب… وهو كلام كان يفترض ألا يصدر عن العماد عون بالذات، لأنه نسخة مما تعرض له هو على يد السوريين في عام 1990 عندما أخرجوه من قصر بعبدا بالقوة، فلجأ إلى السفارة الفرنسية قبل أن يطلب اللجوء السياسي إلى فرنسا على مدى خمسة عشر عاما.
2- اتهام رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بعض قوى “14 آذار” بالوقوف وراء المواجهات الأمنية الأخيرة في مدينة طرابلس الأسبوع الماضي بالتزامن مع اتهام قوى “8 آذار” قوى الأمن الداخلي بالوقوف وراء التحضير لهذه الاشتباكات، وهو ما يذكر بما تعرض له حزب القوات اللبنانية عام 1994 عندما اتهم زورا بتفجير كنيسة سيدة النجاة لتبرير حله واعتقال قيادته وملاحقة كوادره ومناصريه والانقضاض الأمني والقضائي عليه لإسكات أي صوت معارض للهيمنة السورية على لبنان.
3- فرز طبقة سياسية على المستوى الرئاسي والنيابي والوزاري لا تمثل الرأي العام المسيحي بنوع خاص، أمسكت بالتمثيل المسيحي على مدى نحو خمسة عشر عاما عبر التركيبات الحكومية المتلاحقة والانتخابات النيابية المتتالية والمواقع الإدارية المدنية والعسكرية والأمنية على نحو سمح لسورية بالتحكم في كل مفاصل الوضع اللبناني، وهو السيناريو الذي يتكرر اليوم مع الطائفة السنية ومع نصف المسيحيين.
4- تحكمت سورية وحلفاؤها في الدستور اللبناني من خلال التوسع في الاجتهاد في تفسير بنوده وتطبيقها على نحو أفرغه من مضمونه وجعل لبنان من دون سقف دستوري حقيقي، وحور النظام السياسي اللبناني بشكل باتت الديمقراطية مجرد شعار من دون مضمون عملي وتطبيقي.
5- سخر القضاء في خدمة الأهداف السورية، فكانت الملفات تفبرك تبعا للحاجة إلى ترويض بعض السياسيين ولجم “جموحهم” نحو الاستقلالية في اتخاذ القرارات وقيادة المؤسسات التي يشرفون عليها. وهكذا لوحق مديرون عامون وموظفون كبار، وسجن آخرون، وهدد نواب ووزراء ورؤساء حكومات حاولوا التفلت من الإرادة السورية بملاحقات مماثلة بحجة وجود ملفات فساد “غب الطلب” في حقهم.
6- أرهب النظام الأمني اللبناني– السوري الأحزاب والقيادات السياسية والحزبية اللبنانية التي توزعت بين منفي ومسجون من جهة، وراضخ للأمر الواقع، يسعى إلى السير بين النقاط من جهة ثانية، ومتواطئ من جهة ثالثة. وشملت عمليات الترهيب في مراحل معينة عمليات اغتيال ومحاولات اغتيال في كل مرة برزت ملامح إرادة وطنية لترجمة رفض الهيمنة على أرض الواقع، بدأت مع اغتيال الرئيس رينيه معوض وانتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز في الأعوام 2005 و2002 و 2007 مرورا بمحاولة اغتيال النائب مروان حماده عام 2004.
وتبدو قيادات “14 آذار” مقتنعة بأن لبنان دخل في مرحلة شبيهة بتلك التي كان يعيشها على مدى 15 عاما قبل عام 2005 من دون أن يعني ذلك في رأيها أن المرحلة قد تمتد فترة زمنية مماثلة، ولا حتى أن سورية سوف تنجح هذه المرة كما نجحت في السابق. فحسابات البيدر السوري قد لا تتطابق هذه المرة مع حسابات البيدر اللبناني لاعتبارات لبنانية وإقليمية ودولية وحتى سورية هذه المرة. لكن الأكيد أن لعبة شد حبال كبيرة سوف تشهدها الساحة اللبنانية التي تبدو تطوراتها مفتوحة على كل الاحتمالات.