لا تستطيع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ولو أرادت أو أريد لها، أن تكون "حكومة اللون الواحد". ولو كان الظرف السياسي يسمح بهذه الحكومة، لما تأخّرت ولادتها أشهرا. لكنّ هذه الحكومة التي ولدت حديثا، وتتلمّس طريقها، تشهد تجاذبا بين الطرفين اللذين قامت عليهما: فريق 8 آذار الذي يحمل برنامجا طموحا يرغب في تنفيذه، انتقاما من 14 آذار، والفريق الذي دارت معه المفاوضات المضنية منذ كانون الثاني الفائت، أي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط.
هذه الحكومة مرشّحة لتكون حكومة اللون الواحد إذا تمكّن فريق 8 آذار من حسم معركته، أي إذا تكشّفت المعطيات الخارجية عن وقائع جديدة تتيح له ذلك، والعكس صحيح، لأنّ إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتكليف الرئيس ميقاتي ترؤس حكومة جديدة كانا نتيجة تسارع المعطيات الخارجية، والسوريّة تحديدا، إضافة إلى ملفّ المحكمة الدولية.
الوسطية خيار انتقالي
يريد فريق 8 آذار من هذه الحكومة "تصحيح الخطأ" الذي وقع في العام 2005، بانتقال لبنان إلى خارج المحور الذي تقوده دمشق، بما في ذلك صدور القرارات الدولية من الـ1559 إلى الـ1701، ولا سيما المحكمة الدولية. وهو لا يريد إضاعة الفرصة المتاحة له في هذا المجال، لأنه اليوم يمسك بالسلطتين التشريعية والتنفيذية، هو و"الشركاء الوسطيون" الآتون إليه من 14 آذار أو من موقع المتحالف معها، كـ"التكتل الطرابلسي" والنائب وليد جنبلاط. ويطمح هذا الفريق إلى جعل هذين الطرفين جزءا كامل المواصفات داخل 8 آذار تماما كما حصل مع العماد ميشال عون الآتي أيضا من 14 آذار.
وفي أوساط 8 آذار كلام واضح في هذا الشأن. فالحالة الوسطية التي مرّ بها جنبلاط كانت طبيعية ولا بد منها. لكن "أبو تيمور" بات اليوم في قلب التحالف مع القيادة السوريّة، ويسخّر طاقاته ورصيده الدولي للدفاع عنها. وسيجد نفسه أكثر فأكثر داخل خط 8 آذار … إلّا إذا سمحت له الظروف بخيارات مختلفة. ولا بد للرئيس ميقاتي من أن يكرّس التزامه هذا الخط.
أما رئيس الجمهورية فلن يكون في أيّ شكل خارج هذه الدائرة، لأن ضرورات ممارسته الحكم وموقعه الرسمي وصلاحيات الرئاسة وحجم التمثيل الشعبي الذي يتمتع به الرئيس، لا تتيح له تجاوز إرادة مجلسي الوزراء والنوّاب.
حكومة تحت المجهر
هذه الصورة التي يطمح فريق 8 آذار إلى تحقيقها، كانت أقرب إليه يوم إسقاط حكومة الحريري، لو نجح في إيصال الرئيس عمر كرامي، لكنّها ابتعدت منه تدريجا مع تسمية الرئيس ميقاتي، ووجد هذا الفريق نفسه أمام "كباش" قوي أدّى أحيانا إلى انطباع لدى جميع المعنيين بأنّ من المستحيل أن ينتهي المخاض بولادة حكومة طبيعية. فالرئيس المكلف – ومعه رئيس الجمهورية – أكدا أنهما لن يوقّعا حكومة تستفزّ أي طرف، حرصا على الاستقرار. وأبلغ ميقاتي إلى دار الفتوى التزامه "الثوابت الإسلامية"، كما بعث بتطمينات إلى العواصم العربية والدولية، حول التزامه المعاهدات والمواثيق الدولية. وكان لافتا قبل أسابيع حضور سفيرة الولايات المتحدة مورا كونيللي إلى فردان، والبيان الذي صدر عن عوكر حاملا مضمونا واضحا إزاء هذا الملفّ.
لكنّ واشنطن وباريس والرياض تلتزم اليوم مواقف هادئة من تأليف الحكومة، وهذه إشارة يواكبها هدوء مماثل على مستوى المرجعية الدينية السنّيّة في لبنان. ويفسّر مصدر سياسي ذلك بأن القوى الداخلية والخارجية المعنية، ما زالت تراهن على التزام حكومة ميقاتي الوعود والتعهدات بالوسطية واحترام القرارات الدولية. يضاف إلى ذلك تأكيد فرنسي واضح على عدم انتهاج هذه الحكومة سياسة التشفّي "مع موظّفين حاليين في الإدارة"، وهي إشارة تعني أكثر من موقع بارز. لذلك، فالحكومة وبيانها الوزاري وسلوكها ستكون تحت المجهر.
ومن هنا، يقرأ المعنيّون مستقبل الحكومة الجديدة. فهي مضطرّة إلى خوض تجاذب داخلي لمكوّناتها، وسيكون امتلاك "الوسطيين" الثلث المعطّل هو المحكّ أيضا، كما كان امتلاك الرئيس ميشال سليمان "الوزير الملك" في الحكومة السابقة، على أساس اعتبار وليد جنبلاط "وسطيا". وسيكون تطوّر الموقف في دمشق حاسما في هذا المجال. أي إنه سيتيح حسم الصورة الحقيقية لحكومة ميقاتي: لون واحد أم أكثر؟
فهو سيقرّر مدى تماسك "المكوّنات الوسطية" الثلاثة: سليمان – ميقاتي – جنبلاط، للاحتفاظ بالثلث المعطّل.
إنه الامتحان الصعب الذي ستخوضه الحكومة الجديدة. وسيرسل البيان الوزاري أولى الإشارات على رغم التوقعات بإصدار تعابير وصيغ عامة، إلى ميوعة، في ما خصّ القرارات الدولية والمحكمة، بحيث لا تزعج أحدا، وتترك المعالجات إلى حينها، وفقا لمقولة"لكل ساعة ملائكتها"، كما تركت ملائكة حكومة الحريري إلى اللحظة التي جرى فيها إسقاط الدوحة، بضربة من الوزير عدنان السيّد حسين.
فأي ملائكة جاهزة لحماية هذه الحكومة… داخليا وإقليميا ودوليا؟ وتاليا، هل من "ملائكة أخرى" تنتظرها "على الكوع"؟