#adsense

الورقة الأخيرة

حجم الخط

أمضى بشّار الأسد 11 سنة في لعبة الأوراق الثلاث : لبنان، فلسطين، العراق. بعدما أراحه والده من ارث ثقلين كبيرين هما الجولان والاسكندرون. وضع حافظ الأسد الجولان في حالة سلم موضوعي فنال سكوت اسرائيل ورضاها الضمني عن نظامه، وشطب لواء الاسكندرون من الذاكرة السوريّة وسلّم الورقة الكرديّة لتركيّا، قبل سنتين من رحيله، وفتح أمام وريثه حلفا استراتيجيا مباشرا مع أنقرة، وتطبيعا سياسيا غير مباشر مع اسرائيل.

ومع اطمئنان بشّار الى صداقة جارتيه الشماليّة والجنوبيّة، استمتع بالأوراق العربيّة الثلاث، متّكئا على حلف عسكري مالي سياسي متين مع طهران، ولاهيا عن حاجات الداخل وآمال السوريّين وأمانيهم. وتحت شعار " الممانعة والمقاومة " اللمّاع، ظنّ أنّه صاحب دور اقليمي مميّز، فباع واشترى في العراق، واستثمر في غزّة، واستأسد في لبنان.

اليوم، تتغيّر تركيّا أردوغان، وتُعيد اسرائيل حساباتها، وتتعقّد التجارة السياسيّة في العراق، ويُقفَل باب الاستثمار في غزّة مع " حماس "، وفي الجولان مع أحمد جبريل. ولا يبقى أمام النظام السوري المأزوم سوى لبنان، ورقة أخيرة من الأوراق الخمس الموروثة، وخطّ دفاع عملاني وحيد، اذا استثنينا الخطوط الدفاعيّة الخارجيّة من ايران (عسكريا) الى روسيّا والصين (دبلوماسيا).

ولا يُمكن استبعاد أيّ نوع من أنواع الاستخدام لهذه الورقة السوريّة الأخيرة : استخدام سياسي تمثّل في حكومة ميقاتي، واستخدام أمني في اشتباكات طرابلس، وربّما في أمكنة أخرى. فكلّ الأسلحة مباحة أمام نظام الأسد، طالما أنّه في معركة حياة أو موت، وطالما أنّ أوراقه ليست كثيرة، وطالما أنّ ضرورات التغطية على ما يجري من قمع ضدّ الشعب السوري تُبيح محظورات الفتنة في لبنان، لعلّ " المجتمع الدولي " يقايض بين الأثنين، على قاعدة الابتزاز القديم المتّبع، من الوالد الى الولد، يبيعان هنا ليشتريا هناك. يضغطان هنا ليرفعا الضغط هناك.

هذه اللعبة القديمة تغيّرت ظروفها الآن. واذا كانت قد نجحت سنة 1976 وسنة 1990 وبعد أيّار 2008، فانّها اليوم محكومة بالفشل، ليس لأنّ العالم تخلّى عن سياسة المقايضة والبحث عن مصالحه، بل لأن أزمة النظام المقايض هي في عقر داره، عضويّة داخليّة وذاتيّة، وهي حالة جديدة منذ 40 سنة.

كان حافظ الأسد يقايض على أوراق خارجيّة : يأخذ حريّة شعبه ويُعطيه " أمجادا " عربيّة ودوليّة. جاء وريثه محافظا على النهج ذاته : يمنح السوريّين " ممانعة " ويسلبهم الحقوق، الى أن دقّت ساعة الحريّة، وعقاربها لا تعود الى الوراء.

لقد وضع النظام السوري معادلته الأخيرة مع لبنان، مصيرا مشتركا في السياسة والأمن. حكومة لبنانيّة من صلبه، وأمن الطوائف رهينة قراره، والفتنة سيف يلوّح به، ولو كانت الضحيّة أقلّيّة أقلّيته!
ولكن، فاته أنّ معادلة أهمّ وأعمق باتت تجمع لبنان وسوريّا، معادلة الحريّة هنا وهناك، معادلة الربيع المشترك. هو شاء أن يربطهما بالأمن والسياسة، وشعباهما شاءا الارتباط بالحريّة وربيع القيامة. هذا هو المسار الصحيح، وهذا هو المصير الطبيعي والواقعي. وليس صعبا أن نعرف أيّ معادلة هي الأقوى والأبقى.

انّ عواقب ربط لبنان بمصير الأسد ستكون ثقيلة وخطيرة، وطلائعها معبّرة في الحكومة، وفي وضع طرابلس، وفي سمّ البيان الوزاري المدسوس في عسل الصياغة الخادعة. وحلقات الربط تشمل توظيف لبنان في البازار السوري مع العرب والعالم. لكنّ النتيجة ستكون لمصلحة الناس وليس النظام.

وما سيجنيه لبنان من رحيل جيل الوصاية هو استرداد ذاته. كما أنّ أحرار لبنان ينتصرون لأحرار سوريّا، فانّ هؤلاء ينتصرون لحقّ لبنان في الحريّة والسيادة. ودروس التاريخ لا تُخطىء : شعوب أوروبا الشرقيّة والغربيّة لم تتلاقَ وتتوحّد الاّ بالحريّة، بعدما قسّمتها وأذلّتها الديكتاتوريّات.

وليس لأيّ لبناني أن يخاف من حريّة السوريّين. فأهل الحريّة يتكاملون ويتعاونون ويتحابّون، ويسهل عليهم وضع صيغة حياة هادئة بين شعبين، وعلاقة طبيعيّة بين دولتين.
أمّا أهل النظام، بأصله السوري وواجهته اللبنانيّة، فمحكومون بالسقوط، بفعل عدائهم للحريّة.
ومن جاء وفرض نفسه بالحديد والنار، بالحديد والنار يذهب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل