جرت ظهر اليوم في وزارة العدل عملية التسلم والتسليم بين وزير العدل السابق البروفسور ابراهيم نجار والوزير الجديد الأستاذ شكيب قرطباوي، بحضور رئيس مجلس القضاء الأعلى بالإنابة سعيد ميرزا، المدير العام في وزارة العدل عمر الناطور، رئيس مجلس شورى الدولة شكري صادر، رئيس هيئة التفتيش القضائي أكرم بعاصيري، رئيس هيئة القضايا مروان كركبي، رئيسة هيئة التشريع والاستشارات ماري دنيز معوشي، رئيس معهد الدروس القضائية سهيل عبود، مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية صقر صقر، نقيب المحامين في بيروت أمل حداد، نقيب المحامين في طرابلس بسام أبو داية، وحشد من القضاة أعضاء مجلس القضاء الأعلى ومكتب مجلس شورى الدولة ومسؤولي الهيئات الإدارية في وزارة العدل.
وقد أدلى الوزير نجار بكلمة قال فيها: "يشرفني أن أسلمّك اليوم وزارة العدل كاملة الاوصاف والملاك. بالفعل، ها نحن اليوم في حضور رموز وزارة العدل وجهازها الذي أعيد تأسيسه وعاد له بريقه، في المديرية العامة والادارة والديوان والمستشارين القانونيين والاعلاميين والمعلوماتية، في هيئات الوزارة: التشريع والاستشارات، القضايا، التفتيش القضائي، معهد الدروس القضائية. في القضاء ممثلا برئيس مجلس القضاء الاعلى، فضلا عن نقيبي المحامين في لبنان، وما تحقق من مساهمات وعلاقات دولية ممثلة ببعض ممثليها، كما أن نتائج المباراة للكتاب والمباشرين هي جاهزة".
ولفت نجار كذلك إلى "جهوزية مشروعي إنشاء المديرية العامة للحريات وحقوق الانسان من جهة، والمديرية العامة للسجون التي سوف تنتقل مسؤوليتها الى وزارة العدل بعد بضعة اشهر، من جهة ثانية، وينتظر المشروعان الإقرار والتفعيل، بالاضافة الى ما تمّ تجهيزه لتعبئة ملاك محامي الدولة والكتاب العدل، وما تمّ اقراره في موضوع اعادة النظر في سلسلة الرواتب والرتب للقضاة".
وإذ أضاف أنها "ليست مناسبة لجردة ما قمنا به بالتعاون مع نقابتي المحامين والهيئات الأهلية، كما ليست مناسبة لسرد مشاريع القوانين التي باتت جاهزة للإقرار"، لفت إلى أنه لم يحظ يوم تسلم وزارة العدل بـ"هذه الملاءة في الحضور، لأسباب وظروف سياسية وأمنية في حينه، مما يدل على مدى الطريق والمسافة التي اجتزناها، في ظروف دقيقة وحساسة وصعبة، في بلدٍ مسيّس من رأسه حتى أخمص قدميه".
وتابع الوزير نجار مؤكدًا: "أسلمّك واستقبلك وأودّع أحبائي. بالنسبة لي كانت فترة منتجة في العمل من أجل الصالح العام والوفاء. فرغم التحديات والمصاعب، بل وبسببها، تم وضع الأسس المتينة التي على أساسها أعيدت عناصر الثقة الاساسية بالمرفق العدلي وبالتطور النوعي في القضاء، لاننا مسؤولون عن التأسيس لمرفق قضائي، وصرح عدلي، ومشهد حضاري يليق بتراثنا".
وقال: "لاننا، وبصرف النظر عن الاهواء والتحالفات السياسية وموازين القوى الظرفية، نعي انه لا يمكننا الفصل بين بقاء لبنان كيانا ودولة من جهة، وبين الشرعية الدولية من جهة ثانية".
أضاف: "لدي حلمٌ لم ولن أتنازل عنه: فلئن كان لبنان دولة نامية إداريا ومؤسساتيا، بيد انه في الحقيقة أمبراطوريةٌ حضارية وثقافيةٌ يندر مثيلها، حلمي كان ولا يزال ان نستعيد دورنا الحضاري والتاريخي بما لدينا من قدرات استثنائية ونبوغ خلاق لا يمكن للغشاء أو التردد أو الخيانة أو التقلبات ان تحذفه من الوجود".
وشكر البروفسور نجار من أولاه ثقته لتمثيله، وتوجه للوزير الجديد قائلا: "أنا اليوم عائد إلى حديقتي، كما أعاد فولتير كانديد الى حديقته ليزرعها، وحديقتي باقة من القانون والفن والبحث والنشاط في دنيا قد تكون دون الوزارات بريقا، لكنها دنيا الحقيقة والوفاء للنفس والاصدقاء والمعاونين. انها حقيقة ما يبقى لي، ومن بعد حين، ما سوف يبقى لك بدورك".
وتمنى نجار لخلفه قطافا لما تم زرعه في الوزارة وحصادا لخبرة الوزير الجديد مع القضاء مؤكدًا متابعة التشاور والتعاون كما "اللقاء بعيدا عن السياسة وقريبا من القلب".
ثم أدلى وزير العدل الأستاذ شكيب قرطباوي بكلمته التي بدأها بشكر الوزير نجار على ما أبداه تجاهه، وعلى ما قام به في الوزارة خلال السنوات الماضية وهو المحامي والأستاذ الجامعي الذي ساهم في تعليم آلاف المحامين والقضاة والمجازين في الحقوق. وتمنى عليه أن يبقى إلى جانبه بالنصح والمشورة.
وقال قرطباوي إنه آت إلى الوزارة من قصر العدل القريب جغرافيًا والقريب فكريًا، وهو آت إليها من المحاماة التي تشكل أحد جناحي العدالة مبديًا اعتزازه بانتمائه لهذه المهنة وبما ينجزه نقيبا المحامين وما أنجزه النقباء ومجالس النقابة منذ العام 1919، متمنيًا على النقيبين البقاء إلى جانبه بالنصح.
وتابع مؤكدًا: "إنني آت إلى الوزارة من تيار سياسي، إلا أنني وزير لكل لبنان وليس لفئة دون أخرى. ولست هنا لا للتشفي ولا للكيدية، بل للمساعدة في تطبيق القانون على نفسي وعلى الجميع. وليتذكر الذين يعرفونني تجربتي في نقابة المحامين، وقد كنت مؤيَدًا من بعض الأطراف السياسية دون سواها، فعاملت الجميع بالقانون وعلى قدم المساواة".
وإذ لفت وزير العدل إلى أنه يعرف الكثير من مشاكل القضاء والقضاة في لبنان، أضاف أنه يتعهد اليوم "أمام الله وأمامكم وأمام الشعب اللبناني وأمام ضميري بأن أعمل بجد ومثابرة للمساعدة في حلها".
وأشار إلى أن لا أوهام لديه كما لا يحمل وصفه سحرية، لكنه يملك "الشجاعة المعنوية للإقرار بوجود المشكلة وللقول بأن قرار الإصلاح متخذ". ورفض قرطباوي "إطلاق الوعود غير الواقعية"، مكتفيًا بتلخيص بعض ما يتصوره عملا للمرحلة المقبلة، علمًا أن كل ما تنوي الحكومة القيام به سيرد في بيانها الوزاري. وأورد العناوين التالية:
1- "متابعة ما بدأه الوزير البروفسور ابراهيم نجار بالنسبة إلى تعديل سلسلة رواتب القضاة، ما يعني زيادة في مخصصاتهم، آملا أن لا تتأخر اللجان المعنية والمجلس النيابي في إقرار اقتراح القانون الذي أقرته لجنة الإدارة والعدل".
2- "العمل على قيام السلطة القضائية المستقلة. وقد ناديت بقيامها خلال سنوات وسنوات لأنها الضمان الوحيد للناس. هكذا سلطة هي ضماني الحقيقي، أنا السياسي الموالي والسياسي المعارض، الضمان الحقيقي للمواطن إلى أي دين أو مذهب أو حزب أو فكر انتمى، الضمان الحقيقي لمصالح الناس وأرزاقهم وحرياتهم. فالقاضي النزيه المكتفي، العالم والمستقل، هو خحجر الأساس لقيام الدولة بكل ما لهذه الكلمة من معنى".
3- "حماية القضاة من الإفتئات عليهم، والعمل على رفع معنوياتهم وعلى إحلال المساواة في الحقوق والواجبات فيما بينهم".
وتوجه الوزير قرطباوي بصورة خاصة إلى القضاة لافتًا إلى أنه يعرف الكثيرين من بينهم بحكم عمله كمحام، وتربطه بالكثيرين منهم صداقة عمرها سنوات وسنوات، إلا أنه فيما بين الوزير والقضاة، ستقوم علاقة أساسها القانون والقانون فقط. وتابع قائلا: "علي واجبات لن أتوانى عن القيام بها، وعليهم واجبات يجب أن يقوموا بها. وإذا تقاعست عن القيام بواجباتي فذكروني بها. ساعدوني تساعدوا أنفسكم. إستعيدوا ثقتكم بالنفس، إستعيدوا ثقة الناس بكم وبأحكامكم، لا تدعوا السياسيين والطوائفيين والنافذين يتدخلوا في عملكم. سأعمل على حمايتكم من التهجمات لكن الحماية الحقيقية تنبع من داخلكم. فلنتذكر أن حصانة القاضي تبدأ من داخله، تساعدها النصوص على الصمود، إلا أنها لا تنشئها".
وأكمل وزير العدل كلمته فأشار إلى أنه كمحام يدخل قصور العدل فيفاجأ بضيق المكان وعدم وجود العدد الكافي من الغرف اللائقة، كما يفاجأ بنقص هائل في الوسائل الضرورية واللائقة لتمضية ساعات وساعات داخل هذه الأبنية وخلف أقواس المحاكم، فضلا عن تساقط المياه في الشتاء ووضع السطول لجمعها، وكلها أمور غير جائزة. وقال: "رغم وضع الخزينة الصعب، سأعمل جاهدًا على إيجاد الأموال اللازمة لذلك".
كما وعد قرطباوي بأن "تعمل الوزارة على تفعيل ومراقبة أعمال الأقلام والمساعدين القضائيين ودوائر المباشرين، وكلهم جزء أساس من مرفق العدالة". وختم قائلا: "يجب أن نتذكر دائمًا أن التواضع ملازم للمعرفة، وأن الجرأة ملازمة للإتزان، كما يجب أن نتذكر أيضًا أن من شاور الناس شاركهم في عقولهم. أنا بحاجة إلى نصحكم، فأشركوني في عقولكم".
بعد ذلك، غادر البروفسور نجار وزارة العدل، وبقي فيها الوزير قرطباوي حيث عقد اجتماعات داخلية.