كتبت هنادي السمرا في صحيفة "اللواء": على الحكومة أن تتقدم من مجلس النواب ببيانها الوزاري لنيل الثقة في مهلة ثلاثين يوماً من تاريخ صدور مرسوم تشكيلها، ولا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيل الثقة ولا بعد استقالتها أو إعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال". (هذا ما تنص عليه المادة 64 من الدستور في فقرتها الثانية). أما الفقرة الثالثة من المادة 69 من الدستور فتقول: إنه "عند إستقالة الحكومة أو إعتبارها مستقيلة يصبح مجلس النواب حكماً في دورة إنعقاد إستثنائية حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة".
من هذا المنطلق يأتي الحديث عن الإطار الدستوري لآلية منح الحكومة الصك الدستوري لممارسة مهامها الحكومية، وإستتباعاً ترتيب العلاقة المؤسساتية بينها وبين المؤسسة التشريعية، أي مجلس النواب أو السلطة التشريعية. وقبل الدخول في الحيثيات والماورائيات السياسية المحيطة بالتكليف والتأليف وما رافقهما من مدٍ وجزر، من المؤكد أن موضوع الثقة، وإن كان مؤكداً، على قاعدة الحكومة المؤلفة من فريقٍ سياسي واحد، فلن يخلو من المواجهات النيابية بين فريقي "الأكثرية الجديدة" (أو فريق 8 آذار)، وفريق "المعارضة الجديدة" (أو فريق 14 آذار)، وهو ما سيؤسس لنمط جديد من التعاطي داخل البرلمان، لم يشهده في السنوات الماضية، والمقصود هنا، معارضة نيابية (وأن لنصف المجلس) بالكامل لعمل الحكومة ووضعه تحت مجهر الرقابة والمساءلة من منطلق الفصل الكامل بين المعارضة والتشكيلة الحكومية، وهو ما لم يكن متاحاً أو موجوداً في الحقبات (بإستثناء المرحلة التي لم يكن يشارك فيها <حزب الله> في الحكومة والتي كان يمتنع عن إعطائها الثقة).
وعليه، وحسب الأصول الدستورية التي تحدّد آليات إلتئام الهيئة العامة والنصاب القانوني المطلوب لإنعقاد جلسة الثقة، فإن "إجتماع المجلس لا قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه، وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات. وإذا تعادلت الأصوات سقط المشروع المطروح للمناقشة>، وذلك طبقاً للمادة 34 من الدستور. أما طريقة التصويت فتعطى "الآراء بطريقة القيام والجلوس إلا في الحالة التي يراد فيها الإنتخاب فتعطى الآراء بطريقة الإقتراع السري. أما فيما يختص بالقوانين عموماً أو بالإقتراع على مسألة الثقة فإن الآراء تعطى دائماً بالمناداة على الأعضاء بأسمائهم وبصوتٍ عالٍ" (المادة 36).
وهنا، تجدر الإشارة إلى أن النصاب المطلوب لدخول جلسة الثقة هو النصف زائداً واحداً، أي 65 نائباً، (وهذا العدد من المؤكد مؤمن طالما أن الأكثرية النيابية المعطوفة على العدد الذي ظهر بالإستشارات النيابية الملزمة في بعبدا للتكليف هو 68)، وإذا سلمنا جدلاً أن هذا النصاب مؤمن للإنعقاد، فإنه مؤمن للثقة، بغض النظر عن موقف الوزير المستقيل النائب طلال أرسلان (والذي وإن قدم إعتذاره بالأمس إلى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لما إعتبره تجاوزاً للخطاب السياسي إلى الشخصي ولكنه لّوح بعدم إعطاء الثقة من باب القول <أنه لن يوقع مادياً أو سياسياً على حرمان الطائفة الدرزية من حقها في المشاركة الحكومية والتوازن)، والموقف المستجد للنائب عاصم قانصوه (ولم يتأكد بعد ما إذا كان نهائياً لجهة حجبه الثقة تحت عنوان الإعتراض على عدم تشكيل حكومة وحدة)، رغم ما ذكرنا، فإن الثقة ستتجاوز النصاب القانوني أو تلامسه في حال سجل غياب أحد النواب في الأكثرية لسبب سياسي أو صحي أو بداعي السفر، إلا أن المسألة تتخطى هذا الحساب، وكما قلنا في البداية، سيكون هذا التعداد بمثابة السابقة في تاريخ إحتساب الثقة الحكومية، والتي كانت تأتي بعد تحضيرات ومشاورات وتوافقات بما لا يجعل رئيس الحكومة المسمّى حاملاً ثقة هزيلة من ممثلي الشعب اللبناني، وهو ما سينعكس لاحقاً على العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
هذا في الآلية، والتي تستكمل في النظام الداخلي للمجلس النيابي بتحديد طريقة التصويت على الثقة وتنص في المادة 93 على "يجري التصويت على الثقة بطريقة المناداة بالأسماء وذلك بالجواب بإحدى الكلمات الآتية: ثقة، لا ثقة، ممتنع" ولا يدخل عدد الممتنعين في حساب الأغلبية.
أما في المحاور السياسية، من المتوقع أن تشهد المناقشات النيابية التي تحصل بعد تلاوة رئيس الحكومة للبيان الوزاري إنقساماً حاداً يشبه الإنقسام النيابي بين الكتل، هجوم وقائي ومرتد من فريق المعارضة (كما تؤكد مصادرها النيابية لـ"اللواء") على ما صدر من تصريحات سياسية طالت هذا الفريق خصوصاً "تيار المستقبل" في أعقاب أحداث طرابلس والإتهامات الموجهة إليه بالمشاركة، بالإضافة إلى ما يجري في سوريا، وما طال رئيس الحكومة الأسبق الشهيد رفيق الحريري من خلال طعن البعض بالحقبة التي تولّى رئاسة الحكومة فيها، وآخرها ما طال الرئيس السابق سعد الحريري، تحديداً من النائب ميشال عون وفريقه السياسي، والكثير من الملفات التي سيأتي ذكرها في البيان الوزاري، وبالأخص موضوع السلاح والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان مع الحديث عن قرب صدور القرار الظني، وما سيكون الموقف الحكومي منه.
وفي هذا المجال، تؤكد المصادر النيابية أن المعارضة ستكون بناءة ولكن شرسة ولن تستخدم فيها القفازات، بل وعلى العكس، ستستخدم فيها كل الأسلحة الممكنة ديموقراطياً، أي الملفات والوثائق والمستندات وكل ذلك ضمن الأطر الدستورية القانونية، ولن يكون من السهل التغاضي عن الإتهامات – إلا في حال كانت هناك أدلة وبراهين – أو في حال العكس سيكون هذا تأكيداً على الكيدية والإنتقام.
وإستطراداً، تقول المصادر ولا سيما على محور نواب <كتلة المستقبل> أن توزيعاً للأدوار والملفات بدأ التحضير له وبقوة لإثبات المعارضة الحقيقة في المناقشات، حيث يتوقع أن تصب الكتلة بكاملها في خانة تسجيل الأسماء في الأوراق الواردة، قبل التصويت على الثقة، والتي من المرجح ستشهد خطابات نارية وردود وردود مضادة، ما يجعل التساؤل عن المدى الذي قد تصل إليه هذه المواجهة، وإن كانت تعّول على أمرين: الأول أن رئيس المجلس ورغم خلافها السياسي معه، لم يترك الأمور على غاربها في إطار الصلاحيات التي أعطيت له – وهناك الكثير من السوابق في هذا المجال – والثاني أنها ستستند إلى مبدأ المعارضة البناءة والمسؤولة وليس إلى رفع الصوت وشحن الخطاب كما يفعل البعض.
أما في الضفة المقابلة، تؤكد مصادر الأكثرية، أنها لن تلجأ إلى الخطاب التعبوي أو سياسة الكيد والإنتقام، وعلى العكس، فهي ستدافع عن الحكومة ولن تحميها إذا أخطأت، بل ستحاسب كما ستحاسب وستساءل كل ما أنتجته المرحلة السابقة، وتستند في كلامها هذا إلى حق المجلس وهو سيد نفسه، وهذا لا يتناقض ومبدأ الفصل بين السلطات. وفي هذا الإطار، تؤكد مصادر نيابية مقربة من رئيس المجلس نبيه بري، أنه سيعطي كل طالب كلام حقه ضمه الأطر المحددة في الدستور والنظام الداخلي، وتتوقع أن يؤسس الأمر لجلسات ماراتونية مطوّلة.
وفي هذا المجال، تتوقع المصادر أن تأتي جلسات الثقة في آوئل شهر تموز المقبل أو النصف الأول منه، بعد أن تكون الحكومة إنتهت من إعداد بيانها، والمتوقع أن يتقدم الرئيس ميقاتي بمسودة بيانه إلى اللجنة اليوم الثلاثاء، على أن لا تتجاوز دراسته أكثر من نهاية الشهر الحالي أو بداية الشهر المقبل على أبعد تقدير، وفور جهوزه وإقراره، ووصوله إلى المجلس سيسارع رئيس المجلس إلى تحديد الجلسة لأن أمام المجلس والحكومة ورشة عمل حكومية مجلسية تستدعي العجلة دون أن يعني ذلك العجالة، على أن يبنى لاحقاً على الأمر مقتضاه.