لم يخرج كلام الرئيس بشار الأسد عن السياق الذي واجه به انتفاضة السوريين منذ 15 آذار الفائت. هو نفسه السياق الذي واجه به اللبنانيين بعد 14 آذار 2005: هي مؤامرة وفتنة ومخطط استعماري غربي – صهيوني.
كلام تحصيل حاصل من الأنظمة في الحالات المشابهة: هي لا تعترف بمنطق الثورة. فلا الثورات العلمية خالطت عقول حاكميها، ولا الثورات الاجتماعية العالمية حركت اهتمامها. اعتادت ان تشوه فكرة الثورة. ألم تسم انقلاباتها العسكرية ثورات، زوراً وبهتاناً، ونسبت إلى الجماعة الوطنية ما قامت به قلة؟
لأنها كذلك، تعامل الثورات بمنطق الانقلابات، وتتعامل مع الشعب الثائر بوصفه عصابات مخربين وتكفيريين. لكن اذا كان المنتفضون عصابة انطلقت في منطقة بعينها، فكيف يمكنها ان تظهر في كل المناطق في وقت واحد؟ هل هي عصابة شعبية، أم ان الشعب كله عصابة؟
يقول المثل الشعبي إن العاقل بين كثرة المجانين مجنون، وقياساً على ذلك، فان كثرة "العصابات" وانتشارها، تجعل من يتهمها في موقع سارق الشرعية، أومغتصبها.
وصف المنتفضين على النظام بـ "العصابات" في سوريا، وبـ"الجرذان" في ليبيا، وبـ"العيال" في مصر، سبقه تحذير الأنظمة الثلاثة لشعوبها من أنها تخدم بثوراتها القوى الكبرى. لكن، من كانت هذه الأنظمة تخدم؟ ومن ساعدها أصلا على الاستمرار؟
كلما فتحنا كتابا يؤرخ أحداث الشرق الأوسط، نقع على ما يفيد أن القوى الكبرى لها أكثر من اصبع في ولادة أنظمة المنطقة، منذ سايكس – بيكو، ومنها أنظمة الانقلابات. ولطالما انتسب المنقلبون الى احدهما، وارسلوا اشارات ود واسترضاء الى الآخر، منذ انقلاب حسني الزعيم في سوريا، الى الوراثة الجمهورية.
تنصح الوقائع بتذكر نظام صدام حسين، وتواطئه مع واشنطن حتى اللحظة الأخيرة، كما تنصح بتذكر ايران غيت، وعلاقة طهران مع تل أبيب، وآخر تجلياتها ما فضحته عقوبــات مجموعــــــــة الثماني من علاقات بمليارات الدولارات بين الطــــرفين، ربما دفــــع عــوفــــر اليهـــــودي حياتـــــه ثمنـــــا لها.
يتهم النظامان في ليبيا وسوريا الشعب بالعمل على تفتيت البلاد ووضعها تحت احتلال غربي جديد، وتنفيذ مؤامرة صهيونية. المغزى من ذلك أن النظام وآله وحدهم وطنيون، فيما الملايين عملاء المؤامرة الصهيونية – الأميركية. المغزى الآخر، أن الغرب يرى مصلحته في تشجيع الثورات. السؤال : ألم يكن هذا الغرب نفسه من رعى هذه الأنظمة وضَمِنَ استمرارها يوم كانت صالحة لمصالحه؟