لم يكن عبثاً ولا بالمصادفة أن يتم اختيار أحد أقطاب الأكثرية السابقة الرئيس نجيب ميقاتي في 25 كانون الثاني الماضي ليكون رئيسا للحكومة العتيدة في عملية أطلق عليها يومها "من أهل البيت"، لقلب الموازين وتنفيذ الانقلاب على الأكثرية السابقة عبر كل الأشكال والمعابر الديمقراطية. كما لم يكن بالمصادفة أن يتم اختيار خمسة وزراء من عاصمة الشمال ليكونوا رؤوس حراب في مواجهة الحريرية السياسية في عاصمة الشمال من خلال التركيبة الحكومية الجديدة.
وعليه، توقفت المراجع السياسية والدبلوماسية أمام خطورة الوضع الذي نشأ في طرابلس غداة تسمية الرئيس ميقاتي لتأليف الحكومة، وغداة تشكيلها بفارق جوهري. ففي المرة الأولى، كان الغضب سمة الساعات التي أعقبت إقصاء الرئيس سعد الحريري عن سدّة الحكم، وفي الثانية كان السبب في ما حصل، هذا الشعور بالقوة المفرطة التي لم تتلمّسها مجموع القوى الطرابلسية من قبل.
طرابلس الساحة!
وليس من المستغرب أنّ طرابلس كانت وستبقى في عين العاصفة، ففيها كل مقوّمات الصراع منذ سنوات، ولعلّ ساحاتها وأزقّتها تحكي الكثير عما شهدته المدينة من صراعات تعدّد فيها أبطالها، لكن النتيجة كانت واحدة، فهي كانت وما زالت ساحة لتنفيس كل المخططات وصندوقة بريد سريع في كل الاتجاهات. فقد كانت منذ عقود من الزمن مختبرا لكل الأزمات التي عصفت بالعالم العربي أيّام الثورة الفلسطينية وما بعدها، وإبّان الوجود السوري في لبنان وما بعده، وشهدت مختلف أنواع العمليات العسكرية، فكان أبناؤها وقودا لكل المعارك التي خيضت على ارضها.
كان أحد القادة الطرابلسيين يشاهد التلفزيون مساء أمس الأول ويستمع إلى سيل المواقف من أحداث المدينة، عندما استوقفه كلام لوزير الداخلية العميد مروان شربل، حين قال عن مجموعات المسلحين الذين ينتشرون في طرابلس :"في النهاية، هؤلاء الأشخاص نحن نعرفهم تماما، هم أنفسهم منذ عشرات السنين يبدلون زيّهم وبنادقهم".
توقف السياسي الطرابلسي دقائق قليلة، وراح يتحدّث عن معرفته بالرجل طيلة سنوات الخدمة التي أمضاها العميد شربل في طرابلس. وقال: "أنا متأكد انه يعرف طرابلس عن ظهر قلب، ولا لزوم للقيام بجولة تعارف على أحيائها، ولم نكن مخطئين عندما رحّبنا بأن تكون وزارة الداخلية بيد العميد شربل. وهذا بالفعل ما نقلناه إلى الرئيس المكلّف منذ أسابيع، وقلنا له يومها ما يجب أن يقال".
إنتهت العبارات التي اختارها القيادي الطرابلسي، ليضيف: "هذه هي طرابلس، كانت وما زالت في عين العاصفة، ولكن لماذا؟"
تاريخ يعيد نفسه
ولم ينتظر جوابا ليقول: "منذ أن تفتحت عيوننا على الأزمة الفلسطينية، تعيش طرابلس مخاضا عسيرا، وتوسّعت رقعة الانقسامات فيها مع ثورة عبد الناصر، ومن ثمّ إلى جانب الثورات الفلسطينية وحركة الانتفاضات والانقلابات والخلافات التي قامت ما بين الأنطمة العربية، فمن يدفع يأمر،
فدخلت المدينة زمن التناحر".
وبعدها جاء زمن الوجود السوري، فعاشت طرابلس أياما صعبة نستذكرها اليوم إذا ما سمعنا بيانا عن وزارة الداخلية السورية موقّعا من وزيرها اللواء محمد ابراهيم الشعار. فلطرابلس ذكريات كبيرة وسود مع مجرد استذكار الاسم والصفة والتاريخ معا.
وبناء على ما تقدّم، لا يمكن أحدا أن ينسى أو يتناسى ما شهدته المدينة قبل 14 شباط 2005 تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما بعده، وقبل 26 نيسان 2005 تاريخ الانسحاب السوري وما بعده، وصولا إلى المصالحة الكبرى التي أعقبت أحداث آب وأيلول 2008، حيث زهقت الدماء وسالت ما بين باب التبانة وبعل محسن بعد أشهر قليلة على أحداث نهر البارد، إذ خصصت جهود مصرية وسورية وفلسطينية وفرنسية وسعودية تبنّاها أطراف الصراع، فأعلنوا ليل 8 أيلول ما اعتبر يومها أهم وثيقة للمصالحة بين أبناء المدينة. ولكنّ السنوات التي تلت لم تكن كافية لترجمتها على رغم أنها أخذت في عين الاعتبار الأسباب التي حالت دون استعادة المدينة استقرارها، لتبقى ساحة للصراعات بين وقت وآخر، مهمّا تغير اللاعبون. وقد تكرّست الوثيقة يومها بزيارة قام بها الرئيس السنيورة إلى القادة الطرابلسيين، قبل أن يوافيه الرئيس الحريري إلى المدينة ويلتقي الجميع في منزل مفتيها الشيخ مالك الشعار حيث تكرّست المصالحة.
وفي ختام الرواية، لا يمكن لأحد أن يشبّه اليوم بالأمس، فاليوم يبدو الرئيس ميقاتي، في صلب المواجهة، فهو أوّل من ربط يوم الجمعة الماضي بين تأليف الحكومة وانتقاله إلى طرابلس وفريقه الوزاري الرباعي، وما حصل فيها. وقبل ثلاثة أعوام كان قد أيّد مضمون الوثيقة من الخارج مرحبا بـ "الجهود المبذولة لإنهاء النزاعات الدموية التي دفعت ثمنها المدينة وجميع أبنائها من دون استثناء"… وشدّد على أنّ العبرة الأهم هي "أن قدرنا العيش معا في كنف الدولة".
وبالمقارنة بين الأمس واليوم، يقف الرئيس ميقاتي على قاب قوسين أو أدنى من المسؤولية الملقاة على عاتقه، فهل في قدرته ترجمة مضمون بيانه؟ يعتقد كثيرون أن لا عذر في عدم التزام النص ذاته إذا كان التاريخ يعيد نفسه، أو الأخذ باقتراح مفتي المدينة الذي تبنى إقتراح الرئيس السنيورة بالمدينة الخالية من السلاح، وها هو اليوم في موقع المسؤولية، فما تراه فاعلا؟