#dfp #adsense

حكومة “النظام” والغراب المغرور

حجم الخط

سال الكثير من الحبر وكُتِبت تعليقات وتحاليل مختلفة بشأن تشكيل حكومة العهد الثالثة. ربما يفرض علينا الواقع الدستوري والسياسي ألاّ ننعت الحكومات بهذه التسمية الموروثة من عهود ما قبل الطائف (أي حكومة العهد). فالحكومة ليست حكومة الرئيس- الحاكم، ولا هو يُحاسَبُ على أدائها أو يتحمل تبعات سياساتها بمفرده، ولا نحن في نظام رئاسي، فمجلس الوزراء أو الحكومة هي السلطة التنفيذية المسؤولة أمام الناس عبر مجلس النواب ولو ترأس رئيس الجمهورية جلساتها عند حضوره. وعلى قاعدة "فليُسعد النطقُ إن لم يُسعد الحالُ" لا ضير إن أحبّ بعضهم هذه التسمية المُطَمئِنة للهواجس نضيف اليها تسميات أخرى: حكومات وحدة وطنية، إنقاذ وطني، تكنوقراط، موالاة أو معارضة أو هجينة تضمهما معاً إضافة الى مستقلين.

غاية هذا الكلام السؤال عن الهوية الحقيقية للحكومة الجديدة صاحبة شعار "كلنا للوطن كلنا للعمل". هنا أيضاً قيل الكثير: حكومة المواجهة والممانعة- حكومة القمصان السود وحزب الله- حكومة جسر الشغور وسوريا- حكومة الإصلاح والتغيير- حكومة اليد من حديد- حكومة الإنقلاب على الإنقلاب الخ…. قد لا يجد الباحث ضالته في الشعارات والنعوت، لأن علّة وجود هذه الحكومة وهويتها كامنة في الأسباب الحقيقية لإنقلاب سوريا و"حزب الله" على الحكومة السابقة، حكومة توافق الدوحة. لقد قال "لا" سعد الحريري لشيء ما وقبله فؤاد السنيورة وقبلهما "14 آذار". ببساطة، ما يريده النظام السوري والحزب المتألـِّه هو ما لم تعطهم إياه حكومة الرئيس الحريري ويتلخص بالآتي:

أولاً- إعتبار المحكمة الدولية مؤامرة إسرائيلية وأميركية للنيل من سوريا والمقاومة، ووقف التعاطي معها: قطع التمويل، سحب القضاة، وإلغاء بروتوكولات التعاون.

ثانياً- أخذ لبنان إستراتيجياً الى المحور الإيراني-السوري أو ما يُسمى تضليلاً محور الممانعة والمقاومة.

ثالثاً- إلغاء مفاعيل ثورة الأرز وأهمها على الإطلاق مشروع الشراكة الإسلامية-المسيحية لبناء دولة متطورة مُحصّنة والإلتقاء على فكرة لبنان الوطن النهائي وعلى أولوية الهوية الوطنية اللبنانية الجامعة.

لقد كان من المفترض أن تُشكل الحكومة مباشرة بعد الإنقلاب. بيد أن حساب حقل النظام وأتباعه لم ينطبق على بيدر إنتفاضة الشعب السوري المقهور في حرياته وحقوقه الإنسانية والإجتماعية والإقتصادية والسياسية العامة والبديهية. لذا كان التأخير- المماطلة؛ فمن جهة تردَدَ بعض حلفاء سوريا بانتظار جلاء مصير النظام ومن جهة أخرى حاول حكام دمشق وكالعادة استعمال الوضع اللبناني المأزوم ورقة تفاوض وابتزاز في علاقاتهم المتصدّعة عربياً ودولياً.

ماذا يريد النظام في سوريا اليوم؟
النظام يريد إنقاذ النظام.

ماذا يريد من لبنان؟ يريد قراره الإستراتيجي. يريد حكومة تدعم النظام، حكومة تابعة تقف الى جانب النظام: "ثلاثين بواحد"، بالضبط.

همّه النظام. سيّان عنده المقاومة والممانعة وفلسطين والصراع العربي –الإسرائيلي، هو العارف أن له في إسرائيل أكثر من صديق وحليف موضوعيين. سيّان عنده حقوق الطوائف اللبنانية وحصة مَن مِن الزعماء تكون الجُبنة العَفِنة، هو الذي يعرف من أين تؤكل كتف أبناء الأقليات وأصحاب الهواجس والمخاوف وضعفاء النفوس. سيّان عنده إصلاح الإدارة أو التغيير في لبنان نحو الأفضل، هو المتحالف مع أشد الفاسدين فساداً وأبشع الفاسقين فسقاً وكذبا. سيّان عنده الإنعكاسات الكارثية على لبنان، على الإقتصاد والمصارف والسياحة وباقي القطاعات، وعلى علاقات لبنان العربية والدولية. لذا يريد حكومة تشاركه العقوبات المفروضة عليه، تجاريه في تصدّيه للقرارات الدولية، في مواجهة مجلس الأمن، في لاهاي، في المقررات الحكومية، في التعيينات المرتقبة، في الشارع، في قمع التظاهرات…

تصحّ في حكومة الرئيس ميقاتي تسمية حكومة النظام. إنها حكومة وحدة حال حلفاء النظام، وقد صدق من قال إن الطيور على أشكالها تقعّ. وعلى سيرة الطيور، مظلوم طائر البوم عندنا. فالبوم في الكثير من الثقافات العالمية، يرمز الى الحكمة والتبصّر ويتمتع بدقة في السمع وبنظر ثاقب في الليل الحالِك. لقد ذكّرني سلوك أحدهم بقصة "لا فونتين" عن ذلك الغراب الذي يحمل في نفسه عقدة النسر ويحاول عبثاً تقليد أعماله: شاهد الغراب نسراً يمرّ بقطيع خراف، فينتشل منه خروفاً صغيراً ويطير به. فما كان من الغراب إلا أن انتقى خروفاً سميناً يكسوه فرواً جميلا. وعند المحاولة عَلِق الغراب بالصوف الكثيف ولم تأته المساعدة إلا من راعي القطيع الذي وضعه في قفص حديدي وأهداه ألعوبة لأولاده .

هذا درس في الأحجام، علّ بعض السياسيين يعرف حجمه فيلزم حدوده، ويقدّر عواقب خياراته فيعتمد السياسة "الصح".
مبروك عليكم حكومة راعيكم وحمى الله لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل