كتب طارق حسون: تعقيباً على الحوادث الأمنية الأخيرة التي ضربت بعض الشمال، بين جبل محسن وطرابلس، ادعّى رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ان قوى "14 آذار" وعدت اللبنانيين بمعارضةٍ سلمية، مُلمحاً بذلك الى مسؤولية 14 آذار في افتعال هذه الحوادث التي اخذت طابعاً دينياً بين المسلمينّ السُنّة من جهة، وأتباع الدين العلوي من جهةٍ اُخرى.
إن جذور الصراع الإسلامي – العلوي الضاربة في عمق التاريخ الوسيط، انعكست على حوادث الشمال الأخيرة التي تترجم في جانب منها العلاقة المتوترّة بين المسلمين والعلويين، مما يوجب على القوى الأمنية الشرعية التحرّك بكل فعالية لنزع السلاح غير الشرعي بدءاً بجبل محسن وصولاً الى كل لبنان، كما بات لزاماً على عقلاء الطرفين تحكيم لغة العقل والحوار منعاً لتفاقم الحوادث واتخاذها ابعاداً تاريخية لا تُحمد عقباها. فالضرورة القصوى تقتضي اليوم اكثر من اي يومٍ مضى التشبّث بالحالة اللبنانية الفريدة ووقف تآكلها، ذلك ان فلسفة وجود دولة لبنان الكبير، كانت تفترض بالأساس تغيّراً في بنية وغائية الكيان السياسي في جبل لبنان التاريخي من كونه التنظيم لتحالف الأقليات بمواجهة الأكثرية المحيطة، الى كونه التنظيم للتعايش المشترك بين الأقليات والأكثرية من جهة، والأقليات بعضها والبعض الآخر من جهةٍ اُخرى، وهنا تكمن فرادة الوضعية اللبنانية التي تتلاقى مع الحراك الديمقراطي التعددي الذي تعيشه المنطقة العربية حالياً.
وبالعودة الى كلام الرئيس ميقاتي، فمن الضروري إعادة التذكير ببعض الوقائع:
إن تشكيل حكومة الرئيس ميقاتي في ظلّ الوضع الإقليمي والظروف الدولية الضاغطة على قوى "8 آذار" لدرجة الإختناق، لا يختلف في جوهره عن تشكيل حكومة الرئيس عمر كرامي في العام 2004، وما استتبعها مباشرةً من محاولة إغتيال النائب مروان حماده، واغتيال الرئيس رفيق الحريري. فقوى المعارضة اللبنانية (قبل تحولّها الى قوى "14 آذار" لاحقاً) حافظت على طابعها السلمي الديمقراطي الراقي حينها، فلم تُستدرج الى ردود افعال عنفية بالرغم من فاجعة إغتيال زعيم الطائفة السنيّة، وتعرضّ أحد وجهاء الدروز مروان حماده لمحاولة إغتيال. وفي المحصلّة انتصرت معارضة غصن الزيتون وساحة الحريّة، على موالاة القمع والوصاية والسلاح… فخرجت الوصاية وسقطت حكومة كرامي… وكان سقوطها عظيماً…
وعليه، لا شيء في المبدأ (وبعيداً عن أي صياغاتٍ إنشائية وتبريراتٍ سياسية) يدعو قوى المعارضة لتغيير طابعها السلمي، طالما ان معظم الظروف التي املت إسقاط حكومة كرامي لم تتبدّل اليوم، لا بل اُضيف اليها مُعطى اساسي وحاسم يصّب في مصلحة الديمقراطية التي تنادي بها "14 آذار" منذ انطلاقتها، ويتمثّل بتضعضع الراعي الإقليمي لتلك الحكومة بحدّ ذاته. من هنا فإن حكومة ميقاتي، ليست في حقيقتها سوى حكومة المفعول الرجعي لحكومة عمر كرامي، وبالتالي فإن مصيرها سيؤول حتماً الى السقوط باستخدام نفس الوسائل السلمية التي اُعتمدتها معارضة ساحة الحرية سابقاً…
ويبدو، من جهةٍ ثانية، ان الأمور اختلطت على الرئيس ميقاتي بعد انتقاله المفاجىء من موقعٍ سياسي الى موقعٍ سياسي وأمني نقيضٍ تماماً، فاعتقد للوهلة الأولى ان ما قاله بحقّ "معارضة" "8 آذار" عندما كان ينتقدها ويشكوها للأميركيين بحسب ويكيليكس، يُمكن تعميمه وإسقاطه على معارضة "14 آذار" اليوم، متناسياً أن قوى 14 آذار كانت الضحية الأولى لـ "المعارضة" غير السلمية، فيما الرئيس ميقاتي كان هو نفسه المستفيد الأكبر مرحلياً من عدم سلمية "المعارضة"، لكونها اوصلته بالترهيب والقمصان السود الى الموقع السياسي الذي كان يصبو اليه منذ زمنٍ طويل.
فـ "المعارضة" غير السلمية التي المح اليها ميقاتي، هي بالتحديد الجهة التي اوصلته الى حيث هو الآن، وستوصله في القريب العاجل الى اقرب طريقٍ مسدود، وهي الجهة إيّاها التي افتعلت 7 ايار وبرج ابي حيدر، وحوادث الشياح، والثلثاء الأسود وتعطيل الوسط والحكومة ومحاولة تعطيل المحكمة…
امّا بالنسبة الى مفهوم المعارضة في لبنان بشكلٍ عام، فلا يمكن لمن كان شريكاً في حكومة "الوحدة الوطنية" بحصّةٍ تعطيلية وازنة، واحتكر السلاح والقوة وتقاسم السيادة مع الدولة، ان يدعّي المعارضة!! فالمعارضة بمفهومها الحقيقي غير المُزوّر، هي المعارضة التي تحاسب وتراقب وتضغط من خارج الحكومة وليس من داخلها، على غرار ما تفعله قوى "14 آذار" حالياً، وهي المعارضة السلمية التي مارستها "القوات اللبنانية" في ظل النظام الأمني اللبناني – السوري، وهي المعارضة الديمقراطية التي اعتمدتها قرنة شهوان منذ العام 2000 وتبنتّها لاحقاً قوى "14 آذار"، وهي المعارضة الفعلية التي تعرضّت للإغتيال والترهيب والملاحقة حتى وإن تمتّعت بوضعية الأكثرية البرلمانية الدستورية إسمياً منذ العام 2005!!
من هنا يتبيّن ان الخطأ المنهجي الثاني الذي ارتكبه ميقاتي يكمن في تسويق هذا الكم من الأقاويل بحق "14 آذار" للقفز فوق خطأه المنهجي الأول المتمثّل بقبوله التكليف. ذلك ان تعيين ميقاتي من قبل نظام الرئيس الأسد و"حزب الله" يتعارض جدلياً مع عدّة معطياتٍ جوهرية تتفاعل على الساحة السنيّة كما يأتي:
يتعارض اولاً مع العرف والميثاق المعمول به منذ العام 1943 والقاضي بأن تُسميّ الطائفة السنيّة ممثلّها لتولّي رئاسة الحكومة، وهو المنصب الأول للسنّة في التركيبة اللبنانية، لا ان تقوم طائفة اُخرى- اي الطائفة الشيعية- بذلك، رغماً عن إرادة الغالبية الساحقة من الطائفة السنّية.
يتعارض ثانياً مع الحراك الشعبي السنّي إقليمياً وصيرورته التاريخية، ذلك ان هذا الحراك يصّب في اتجاهين رئيسيين: اتجاه التخلصّ من الطغيان والديكتاتورية وليس تكريسها، واتجاه حكم الأكثرية العربية للأقلية وفق مفاهيم التعددية والديمقراطية، وليس إمعان الأقلية بتعيين ممثلّين قسريين عن الأكثرية الإقليمية من خلال الترهيب والإستقواء بالسلاح والقمصان السود بعيداً عن كل عرفٍ او ديمقراطية.
يتعارض ثالثاً مع إتجاّه الصراع في الشرق الأوسط والذي يدور على محورين اساسيين:
المحور السنّي – الشيعي مذهبياً، والمحور العربي – الفارسي قومياً، وبالتالي فلا إمكان لأي زعامة سنيّة في المحافظة على حيثيتها الشعبية السنّية، إلاّ من خلال الإمتناع عن الإنضمام الى المحور المقابل، بحيث جاء الطعن بزعامة منزل عمر كرامي سنيّاً واتهام نجله فيصل بالتشيّع ليصب تلقائياً في هذا الإتجّاه. ومع ذلك يحاول ميقاتي التعامي عن هذه الركيزة الأساسية موجّهاً سهام اتهاماته صوب "14 آذار"، ساعياً من دون جدوى للتخفيف من وطأة إنضمامه الى محور جبل محسن بمواجهة محور طرابلس، بالمعنى السياسي الواسع للكلمة.
إنطلاقاً من ذلك كلّه يتضّح ان الهوية المذهبية والسياسية والسوسيولوجية للجهات التي اتت بميقاتي رئيساً للحكومة في ظل الإتجاهات والمعطيات القائمة، إنما هي تضعه في الإتجاه المعاكس للمسار الطبيعي الذي تسلكه الطائفة السنيّة في لبنان والمنطقة، وهو ما سوف يقوده حتماً الى عزلةٍ شعبية سنيّة لا سابق لها. وبالتالي، فمهما حاول الرئيس ميقاتي ومن خلفه الوزير محمد الصفدي صرف المساعدات، وتنظيم الرحلات السياحية، وإطلاق الروايات وإختلاق الحجج ومحاولة إخفاء بعض عناصر هذه الجدليات املاً في استعادة شعبية سنية مفقودة، والتعمية عن هذا الإختلال المنهجي في وضعيته على رأس الحكومة، فإن شيئاً لن يجديه نفعاً بعد الآن …